Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ. د. عبدالرحمن سعد العرابي

عبدالله التعزي

A A
عبدالله التعزي روائيٌّ سعوديٌّ، وواحدٌ من المبدعِين في بلادنا، مثله مثل أغلب المبدعِين، لم يجدُوا من المجتمع التَّقدير الذي يستحقُّونَه مقابل ما يُضفي به المجتمعُ من الشُّهرة والضُّوء والاهتمام على «سطحيِّين» ويجعلهم «ايقوناتٍ» مجتمعيَّة تُغري الشَّباب من الجنسين، مثل مشاهير السوشال ميديا.
أوَّل ما تعرَّفتُ على الأستاذ عبدالله ليس شخصيًّا، بل إبداعيًّا من خلال روايته «الحفائر تتنفس» حين قرأتُها في العام 2003م، وأنا حينها أُقيم في مكَّة المكرَّمة -شرًَفها اللهُ- كرئيسِ تحريرٍ «للمقبورةِ» جريدة النَّدوة. حينها عشتُ الرواية بكلِّ ما فيها من تفاصيل، وأنا أمرًّ من خلال أزقَّة الحفائر، وهو -لمن لا يعرفُ- حيٌّ -كان- من أحياء مكَّة المكرَّمة، تمَّت إزالتُه مع التَّطوير القائم في محيط الحرم المكيِّ الشَّريف.
في الرواية يقولُ المبدعُ التعزي: «الشَّارعُ في الحفائرِ يرتسمُ بين البيوتِ وتحت الرواشينِ كخيطٍ رقيقٍ يُمسكُ بزمامِ الحارةِ من داخلها، وعَبرَ بها ما بين الهواءِ والسماءِ إلى أنْ يصل إلى خط الأفق». «الحفائرُ إحدَى بوابات مكَّة إلى الحرم، وأتوقَّعُها دائمًا مشرعةً أمام كلِّ القادمين من الذنوب، كنافذةٍ مفتوحةٍ للصعود إلى السَّماء». ومرَّة أُخرى، وبعد لقاءٍ ثقافيٍّ قبل أشهر التقيتُ بالأستاذ عبدالله، وتشرَّفتُ بمعرفته، ثمَّ عرفتُ أنَّ له روايةً جديدةً عنوانها «تاريخ البيت»، فبحثتُ عنها، فلم أجدها، غير أنَّه تفضَّل بإهدائها لِي بعبارةٍ جميلةٍ كجمالِ روحهِ.
وجدتُه مرَّة أُخْرى مبدعًا ينقلُ القارئ إلى عوالم خياليَّة، وكأنَّه يعيشها، فهو يقولُ في هذه الرواية «مرَّ الخبرُ -يقصد موتَ أحدِ شخوصِ الرواية- وكأنَّه تفصيلٌ متأخِّرٌ في حكايةٍ بدأت منذ زمنٍ، ولم يعد أحد يتذكَّرها. لكن داخل الصدور كان هناك شيءٌ ما ينكسرُ ببطءٍ كزجاجٍ يضغط عليه من الدَّاخل دون صوت». «حُزنُ مجيدٍ على أبيه كان جارفًا، والبيت الذي لم يبقَ من أمجادِهِ سوى الجُدران، وبعض الأنفاس العالقة في الشُّقوق صار منذ شهرين يتيمًا». أيَّما إبداع هذا التصوير الذي يأخذنا به التعزي، ويجعل القارئ يعيش الرواية بتفاصيلها، وكأنَّها واقعٌ مُعيشٌ وحقيقيٌّ..!
المبدع عبدالله التعزي ليس سوى واحدٍ من مبدعِين في انتظار استحقاق الدَّعم والاهتمام، بتوفُّر النشر داخل المملكة، وليس -كما هو حاصلٌ الآن- لجوءَهم للخارج؛ لسهولة الطِّباعة، وأسعارها المعقولة، ولتوفُّر رواياتهم داخل المملكة عبر المكتبات التجاريَّة والرسميَّة، ومن خلال المؤسسات الثقافيَّة، والوجود الإعلاميِّ؛ ليكونوا بالفعل نماذجَ مُحفِّزة للشَّباب للإبداع، ورسم صورة مبهجة عن بلادنا. والسُّؤال: هل سوف نرى من مؤسساتنا الإعلاميَّة والثقافيَّة اهتمامًا يليقُ بالمبدعين من أبناء الوطن، وأحدهم عبدالله التعزي؟
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store