Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

ما بين الاستحقاق والاستغلال.. حين يفقد العطاء توازنه

A A
ليست كلُّ العلاقات التي تستنزفنا تبدأ بالإساءةِ، فبعضُها يبدأ بعطاءٍ جميلٍ، واحتواءٍ صادقٍ، وتنازلاتٍ صغيرةٍ نقدِّمها بمحبَّة، ثمَّ تتكرَّر حتى يعتادها الطرفُ الآخرُ، ويتحوَّل ما كان يُقابل بالامتنان، إلى أمرٍ متوقَّعٍ، وما كان فضلًا منك، إلى حقٍّ يظن أنَّه يملكه.
وهنا تبدأ المسافة الدقيقة ما بين الاستحقاق والاستغلال. فالإنسان بطبيعته يحبُّ أنْ يكون كريمًا في مشاعره ومواقفه، وأنْ يمنح مَن حولَه وقته واهتمامه ودعمه. وقد عبَّر جبران خليل جبران عن عمق العطاء بقولهِ: «إنَّك لَتُعطِي القليلَ حينَ تُعطِيِ ممَّا تملكُ، فإذا أعطيتَ من ذاتِكَ أعطيتَ حقًّا». لكنَّ قيمة العطاء لا تكمنُ في كثرته وحدها، بل في موضعه أيضًا؛ لأنَّ ما نقدِّمه بمحبَّة قد يتحوَّل مع الاعتياد إلى أمرٍ مسلَّمٍ به، حتى ينسى الآخرُ أنَّه كان يومًا اختيارًا منك لا التزامًا عليك.
فالاستحقاق أنْ يعرف الإنسان قدره، وأنْ يدرك أنَّ الاحترام والتقدير والتوازن حقوقٌ لا ينبغي أنْ يتنازل عنها. أمَّا الاستغلال فيبدأ حين يرى أحدُهم في طيبتِكَ فرصةً، وفي صبرِكَ مساحةً مفتوحةً للتجاوزِ، وفي تفهمِكَ ضمانًا لبقائِكَ مهما حدث.
وقد تقفُ إلى جوار أحدِهم طويلًا، وتسانده، وتغفر له، وتجد لأخطائه الأعذارَ، ثم تكتشفُ عند أوَّل مرَّة تقول فيها «لا» أنَّ كلَّ ما قدَّمته لم يكن يُنظر إليه باعتباره فضلًا، بل أصبح في نظره واجبًا. وقد يغضبُ منكَ لا لأنَّك أسأت إليه، وإنَّما لأنَّك توقَّفت عن أداء الدور الذي اعتاد منكَ القيام به.
وهنا تظهر حقيقة تستحق التأمُّل: بعض النَّاس لا يتعلَّقُون بنا بقدر تعلُّقهم بما نقدِّمه لهم.
ولعلَّ زهير بن أبي سلمى اختصرَ جانبًا من هذه الحقيقة بقولهِ:
وَمَنْ يجعلِ المَعْروفَ فِي غَيرِ أهلِهِ
يَكُن حَمْدُه ذمًّا علَيهِ وَينْدَمِ
فليس المقصود أنْ نتوقَّف عن المعروف؛ خشية الجحود، وإنَّما أنْ نتعلَّم أنَّ للكرم بصيرةً، وللتسامح حدودًا؛ فالمعروف حين يُوضع في غير موضعه قد يتحوَّل من قيمةٍ تُقدَّر إلى عادةٍ يُطالب باستمرارها.
فالمواقفُ لا تكشف مقدار ما نقدِّمه فحسب، بل تكشف أخلاق مَن يتلقَّاه. الكريمُ يحفظ الجميل ويقدِّره، أمَّا المستغلُّ فيرى كلَّ تنازل بدايةً لتنازلٍ آخرَ، حتى يجد المُعطي نفسه يحملُ علاقة كاملةً وحدَه.
والاستغلال لا يكون ماديًّا بالضرورة، فقد يكون في الوقت، أو المشاعر، أو الجهد، أو المعرفة، أو القدرة على الاحتمال. وقد يأتي أحيانًا متخفِّيًا خلف أسماء نبيلةٍ كالوفاءِ والعِشرةِ والصَّداقةِ والواجبِ، فيصعب علينا إدراكه إلَّا بعد أنْ نشعر بأنَّ العلاقة أصبحت عبئًا أكثر منها مساحة إنسانيَّة متوازنة.
وهنا يجدر بالإنسان أنْ يسأل نفسه: هل أفعلُ هذا لأنَّني أريده، أم لأنَّني أخشى ما سيحدث إنْ امتنعت عنه؟ فثمَّة فرق بين أنْ تمنح بمحبَّة، وأنْ تمنح تحت وطأة الشعور بالذَّنب، وبين أنْ تقف مع إنسانٍ في حاجته، وأنْ تتحوَّل إلى مَن يحمل عنه مسؤوليَّاته باستمرار.
ومعرفة الإنسان لاستحقاقه لا تعني القسوة أو الأنانيَّة، ولا أنْ يحوِّل علاقاته إلى حسابات دقيقة، وإنَّما أنْ يعرف أين تنتهي مسؤوليَّته، وأين تبدأ مسؤوليَّة الآخر. فالعلاقة السويَّة لا تقوم على طرف يمنح بلا نهاية، وآخر يأخذ بلا اكتراث، وإنَّما على التقدير المتبادل، وحفظ المكانة.
ومن علامات الوعي أنْ نميِّز بين مَن احتاج إلينا في ظرفٍ عابرٍ، ومن اعتاد وجودنا لتيسير حياته، وبين مَن يشكر ما نقدِّمه، ومَن يغضب عندما نتوقَّف عنه، وبين مَن يحترم حدودنا، ومَن لا يقبلها لأنَّها تعطِّل مصالحه.
وأحيانًا لا نحتاج إلى إنهاء العلاقة، بل إلى إعادة ترتيبها، أنْ نمنح دون أنْ نستنزف أنفسنا، وأنْ نرفض ما يتجاوز قدرتنا دون شعور بالذَّنب، وأنْ نترك للآخر مساحةً يتحمَّل فيها مسؤوليَّاته. فالحدود لا تهدم العلاقات الصَّادقة، بل تكشف حقيقتها.
مَن يقدِّرك لن يربط مكانتك بما تقدِّمه، ومَن يحب وجودك لن تتغيَّر معاملته حين تقل قدرتك على العطاء. أمَّا مَن يتبدَّل بمجرَّد أنْ تضع حدودك، فقد كشف لك دون أنْ يقصد طبيعة المكان الذي كنت تشغله في حياته.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store