كشفَ اللقاءُ الذي جمع رئيس هيئة الرقابة ومكافحة الفساد (نزاهة) مازن الكهموس، برئيس وكالة الاتحاد الأوروبيِّ للتعاون في مجال العدالة الجنائيَّة (يوروجست) مايكل شميد، خلال الأسبوع الماضي، في فيينا، كشف أنَّ السعوديَّة لم تعدْ تبحث عن الخبرات الدوليَّة، إنَّما أصبح الآخرُون يتعاملُون معها كنموذج بارز لاستلهام تجاربها، والتعرُّف عليها والاستفادة منها.
فالمسؤول الأوروبيُّ الكبير كان حريصًا على معرفة الأسلوب السعوديِّ، الذي حقَّق نجاحات كبيرة خلال الفترة الماضية، وأسفر عن استعادة مبالغ ضخمة تمت إعادة ضخِّها في شرايين الاقتصاد الوطنيِّ، وحققت الشعور بالرِّضا بين المواطنين، وحملت رسالةً واضحةً للجميع بأنَّ سيف العدالة سيطال كلَّ مَن تُسوِّل له نفسُه العبثَ في المالِ العامِّ، أو محاولةَ الاستيلاءِ عليه.
وتكمن الرسالة الأبرز وراء هذا اللقاء، في الطريقة التي أصبح العالم ينظرُ بها للسعوديَّة، فعندما تطلب أبرز المؤسَّسات الأوروبيَّة المتخصِّصة في التعاون القضائي والعدالة الجنائيَّة مناقشة التجربة السعوديَّة، والاطِّلاع على آليَّاتها وإجراءاتها، فإنَّ ذلك يعكس حجم التقدير الدوليِّ لما حققته المملكة خلال السنوات الماضية في هذا المجال. كما يعكس قناعة متزايدة بأنَّ التجارب الناجحة لا ترتبط بحدود جغرافيَّة أو حضاريَّة معيَّنة، بل يمكن أنْ تنشأ في أيِّ دولة تمتلك الإرادة السياسيَّة، والرُّؤية الواضحة، والقُدرة على التنفيذ.
هذا الإعجابُ العالميُّ بالتجارب السعوديَّة، سبق أنْ عايشناه من قبل، عندما أبدت العديدُ من الدول والمنظَّمات الدوليَّة اهتمامًا كبيرًا بالتجربة السعوديَّة في مكافحة الإرهاب والتطرُّف. فقد شهدنا العديد من الزيارات الرسميَّة لقيادات أمنيَّة وفكريَّة دوليَّة؛ للاطِّلاع على الأدوات والسياسات التي أسهمت في مواجهة التنظيمات الإرهابيَّة، وتجفيف منابع التطرُّف، وتعزيز الأمن والاستقرار.
فالتجربة السعوديَّة في مكافحة الإرهاب اكتسبت احترامًا دوليًّا واسعًا؛ لأنَّها اعتمدت على مقاربة شاملة جمعت بين الجوانب الأمنيَّة، والفكريَّة، والتنظيميَّة، والتقنيَّة. كما اهتمت -إضافةً لملاحقة العناصر الإرهابيَّة- بمعالجة الأسباب الفكريَّة التي تستغلُّها الجماعاتُ المتطرِّفةُ لاستقطاب الأفراد، وعزَّزت تعاونها الدولي في تبادل المعلومات والخبرات؛ ممَّا جعلها شريكًا رئيسًا في الجهود الدوليَّة الرَّامية إلى مكافحة الإرهاب، وحماية الأمن العالميِّ.
ومن هنا يمكن ملاحظة وجود خيط مشترك بين التجربتين السعوديَّة في مكافحة الفساد، ومحاربة الإرهاب. ففي الحالتين لم تكتفِ المملكة بالتعامل مع النتائج الظاهرة للمشكلة، وركَّزت على بناء منظومات مؤسسيَّة متكاملة، تعالج الأسباب والجذور، وتمنع تكرارها. كل ذلك تحت إشراف قيادة رشيدة، تُؤمن بأهميَّة الإصلاح، وأجهزة متخصِّصة تملك الصلاحيَّات المناسبة، ورُؤية طويلة المدى تضمن الاستمراريَّة والتطوير.
ولهذا السبب لم يعد مستغربًا أنْ تتحوَّل المملكة إلى وجهة للمهتمِّين بالتجارب الناجحة. فالدول، مثل الأفراد، تبحث دائمًا عن النماذج التي أثبتت فعاليتها على أرض الواقع. وعندما تحقق دولة نتائج ملموسة في مواجهة تحدِّيات معقَّدة مثل الإرهاب، أو الفساد، أو تطوير الخدمات الحكوميَّة، أو التحوُّل الرقميِّ، فإنَّها تصبح محل اهتمام الآخرِين السَّاعين إلى الاستفادة من تلك الخبرات.
لذلك، فإنَّ الدرس الذي يمكن استخلاصه من هاتين التجربتين هو: العبقريَّة السعوديَّة القادرة على تحويل التحدِّيات إلى قصص نجاح قابلة للتَّصدير، والاستفادة منها عالميًّا. فكما أصبحت تجاربنا في مكافحة الإرهاب مرجعًا مهمًّا للعديد من الدول والهيئات الدوليَّة، تتَّجه التجربة السعوديَّة في مكافحة الفساد اليوم لأنْ تُصبح نموذجًا يُحتذى، ومصدر إلهام للجهات السَّاعية إلى تعزيز النزاهة، وحماية المال العام، وترسيخ مبادئ الشفافيَّة.
وفي المحصلة، فإنَّ قيمة التجارب الوطنيَّة الناجحة لا تتجلَّى فقط في أثرها الداخليِّ، بل في قدرتها على التحوُّل إلى نماذج تستفيد منها الدول الأُخرى. وهذا ما نجحت المملكة في تحقيقه عبر مسيرة من العمل المؤسسيِّ والإصلاح المستمر، حتى أصبحت خبراتها في عدد من الملفَّات محل اهتمام إقليميٍّ ودوليِّ متزايد.
ومن خلال ما حققته من نجاحات في مواجهة الإرهاب، وتعزيز النَّزاهة ومكافحة الفساد، برهنت السعوديَّة قدرتها على إنتاج حلول عمليَّة وتجارب رائدة تستحق الدِّراسة والاستفادة. لذلك لم يعد استعراض هذه التجارب أمام المنظَّمات والجهات الدوليَّة مجرَّد عرض للإنجازات، بل تأكيدًا لمكانتها كشريكٍ فاعلٍ يُسهم في تطوير أفضل الممارسات، ويدعم الجهود الدوليَّة لمواجهة التحدِّيات المشتركة.


