Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

نفــــــاق

A A
من دواعي القلق، أنَّ النفاق ينتشرُ بسرعة عجيبة، وأنَّ أشكاله وألوانه متعدِّدة لدرجةٍ لا نتخيَّلها، علمًا بأنَّه لا يقتصر على عالم البشر، ففي الطبيعة مواد تدخل الجسم متخفِّية في هيئة عناصر نافعة أو ضروريَّة للحياة، ثمَّ تستقر في الخلايا قبل أنْ تبدأ أثرها المُؤذي. ولعلَّ الرصاص من أوضح الأمثلة على ذلك، إذ قد يحاكي الكالسيوم الضروري للحياة في بعض المسارات الحيويَّة بداخل البشر، فيتراكم في الخلايا، ويضر الجهاز العصبي وغيره من أجهزتنا. ومن هنا يبدأ وجه الشَّبه الذي يتتبَّعه هذا المقال بين السموم والميكروبات من جهة، والنِّفاق البشري من جهةٍ أُخْرى.
ومن الأمثلة العجيبة على تأثراته نجدها في بعض تفسيرات اضمحلال الإمبراطوريَّة الرومانيَّة الغربيَّة وسقوطها عام 476م؛ فمنها ضعف القوة العسكريَّة، والتحوُّلات الدينيَّة والثقافيَّة، والأعباء الضريبيَّة، إلى جانب عوامل اقتصاديَّة وسياسيَّة أخرى. وقد ناقش بعض من المؤرِّخين المرموقين احتمال إسهام التعرُّض المزمن للرصاص في مشكلات صحيَّة لدى شرائح من المجتمع الرومانيِّ. وكان الرصاص واسع الاستخدام؛ بسبب توافره وسهولة تشكيله، فدخل في البناء وأنظمة المياه والطلاء، كما استُخدمت مركَّباته في بعض مستحضرات التجميل، وتحضير مواد ذات مذاق حلو أضيفت إلى النبيذ الواسع الانتشار. وإلى جانبه، توجد مواد سامَّة أخرى تحاكي عناصر نافعة في بعض المسارات الحيويَّة بداخل البشر، فالزرنيخ السَّام مثلًا قد يتداخل مع مسارات الفوسفات الضروريِّ للحياة، والراديوم السَّام قد يتصرَّف بصورة مشابهة للكالسيوم المفيد، والكادميوم السَّام قد ينافس الزنك الضروريَّ في الجسم. وهكذا تستطيع بعض السُّموم خداع الآليَّات الخلويَّة قبل أنْ تظهر أضرارها بعد تراكمها وكأنَّها تمارس النفاق.
وفي عالم الميكروبات أيضًا، تنجح بعض الكائنات المُمْرِضة؛ لأنَّها لا تقضي على عائلها سريعًا، بل تستطيع البقاء داخله عبر التهرُّب من جهاز المناعة، أو تعديل استجابته وكأنَّها صديقة للخلايا المختلفة. ومن أمثلتها بكتيريا «الملوية البوابية»، المعروفة علميًّا باسم «هليوباكتر بيلوري»، التي تختبئ بداخل الطبقة المخاطيَّة، وتنتج تراكيب تشبه جزيئات موجودة على أسطح خلايا البشر، وغيرها من الحيل. وتفلح هذه الخبيثة في استعمار بطانة المعدة، وقد تُسبِّب التهابها وقرحتها، وترتبط في بعض الحالات بمضاعفات أشد. وهناك أيضًا مجموعات من الفيروسات التي تمارس التَّمويه للتهرُّب من الأنظمة الدفاعيَّة بداخلنا، ومن أكثرها شهرة هو فيروس نقص المناعة البشريَّة HIV الذي يندمج داخل الحمض النوويِّ للخلايا، ويختبئ بداخلها ببراعة.
أمنيــــــة:
مهما تعدَّدت أشكالُ هذا السلوك السلبيِّ، فالنِّفاق البشريُّ هو الأشدُّ خطرًا؛ لأنَّه فعلٌ واعٍ ومتعمَّدٌ، ولأنَّ الإنسان قد يوظِّف فيه قدرته على الإقناع والتخطيط. وأخيرًا، فضلًا تأمَّل مقدار المساعدات السعوديَّة للدول المختلفة عبر التاريخ، سواء كانت مساعدات ماليَّة، أو عينيَّة، أو مواقف سياسة نفطيَّة، وانظر في مواقف بعض تلك الدول تجاهنا اليوم كمثالٍ على الجحودِ والخداعِ في العلاقات الإنسانيَّة والدوليَّة. أتمنَّى أنْ يقينا اللهُ شرَّ النِّفاق بأشكالهِ الملتويةِ المختلفةِ: في السُّمِّ الهَارِي، والجراثيمِ، والبشرِ، والدولِ.
واللهُ من وراءِ القَصدِ.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store