Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. بكري معتوق عساس

الجامعة التي تُموّل مستقبلها.. قوة للموارد الذاتية

A A
في زمنٍ تتسابقُ فيه الأممُ على امتلاك المعرفة، لم تعد الجامعة بُرجًا عاجيًّا يعيش بعيدًا عن حركة الحياة، بل غدت قلبًا نابضًا في جسد الاقتصاد والمجتمع؛ ففي مدرَّجاتها تُصاغ الأفكار، وفي مختبراتها تُولد الابتكارات، وبين أيدي علمائها تتحوَّل المعرفة من فكرة عابرة إلى قيمة تصنعُ الفرق. ومن هنا لم يعد السؤال: كم تنفق الدَّولة على جامعاتها فحسب؟، بل أصبح السؤال الأعمق: كيف تستطيع الجامعةُ أنْ تجعل من علمها وعقولها وأبحاثها وأوقافها وشراكاتها موارد متجدِّدة تحفظ رسالتها وتوسِّع أثرها؟ لقد أدركت جامعات عالميَّة كُبرى أنَّ الاستدامة الماليَّة ليست غايةً في ذاتها، وإنَّما وسيلة لتحرير الطاقات العلميَّة من ضيق الموارد، وفتح أبواب أرحب للبحث والابتكار وخدمة الإنسان.
وتكشف التجارب العالميَّة أنَّ الموارد الذاتية ليست مجرَّد مورد ماليٍّ، بل وسيلة لتعزيز جودة التعليم والبحث العلمي. فجامعات مثل هارفارد وستانفورد وأكسفورد؛ بنت جانبًا من قوِّتها من خلال الأوقاف والاستثمارات والمنح والشراكات والموارد المرتبطة بالبحث العلمي، فأصبحت مواردها رافدًا يساعدها على تمويل المنح والمختبرات، واستقطاب العلماء ودعم الابتكار.
إنَّ التمويل الذاتي للجامعات بات ضرورةً مُلحَّةً في ظل ارتفاع تكاليف التعليم، وتزايد أعداد المتعلِّمين، واتَّساع حاجات المجتمعات. ومن هنا تبرز أهميَّة تنويع الموارد، بحيث تستفيد الجامعة من الأوقاف والاستثمارات، والبحث العلمي، والاستشارات، والخدمات المتخصِّصة، وتسويق الابتكارات والملكيَّة الفكريَّة.
وقد قدَّمت ستانفورد مثالًا لافتًا في تحويل البيئة البحثيَّة إلى منظومة للابتكار وريادة الأعمال، مستفيدةً من قربها من قطاع التقنية، بينما طوَّرت أكسفورد مواردها عبر مزيج من الأوقاف والمنح والبحث العلمي، والشراكات والخدمات الأكاديميَّة. أمَّا هارفارد، فتمثِّل الأوقاف والاستثمارات فيها أحد مصادر القوَّة الماليَّة التي تدعم رسالتها التعليميَّة والبحثيَّة.
ومن النماذج المهمَّة مفهوم «الجامعة المنتجة»، وهي التي لا تكتفي بالتعليم والبحث، وإنَّما توظِّف إمكاناتها العلميَّة والبشريَّة في بناء موارد جديدة. فالمراكز البحثيَة والمختبرات والمستشفيات الجامعيَّة والحاضنات التكنولوجيَّة والمؤتمرات والاستشارات، يمكن أنْ تصبح حلقات في منظومة متكاملة، بشرط أنْ تبقى الرسالة الأكاديميَّة وجودة الخدمة في مقدِّمة الأولويات.
ولا ينبغي أنْ ننسى أنَّ العالم الإسلامي عرف منذ قرون دور الوقف في تمويل التعليم والعلماء، والطلاب والمكتبات والمدارس، وهو إرث يؤكِّد أنَّ استقلال المعرفة عن تقلُّبات التمويل ليس فكرةً حديثةً. ويمكن اليوم استلهام هذه التجربة في بناء أوقاف جامعيَّة حديثة، تجمع بين روح الوقف، وأدوات الاستثمار، والإدارة المعاصرة.
كما أنَّ الشراكة بين الجامعات وقطاع المال والأعمال تفتح آفاقًا واسعةً، فالشركات تحتاج إلى الابتكار والعقول المتخصصة، والجامعات تحتاج إلى تحويل نتائج أبحاثها إلى تطبيقات نافعة. ومن هذا التكامل يمكن أنْ تنشأ شركات ناشئة، وبراءات اختراع، ومشروعات استثماريَّة، وخدمات معرفيَّة تعود بالنفع على الجامعة والمجتمع والاقتصاد.
غير أنَّ التحدِّي الحقيقي لا يكمن في جمع المال وحده، بل في حسن إدارته، فالجامعة التي تمتلك موارد كبيرة دون حوكمة وشفافية ورُؤية استثماريَّة، قد لا تحقِّق أهدافها، بينما تستطيع الجامعة التي تملك المعرفة والإدارة الرَّشيدة أنْ تحول مواردها إلى قوة مستدامة.
إنَّ الجامعة التي تعرف كيف تستثمر معرفتها، لا تملك موردًا ماليًّا فحسب، بل تملك مفتاحًا لمستقبلها. فالأوقاف التي تحفظ للعلم استمراره، والأبحاث التي تتحوَّل إلى ابتكارات، والشراكات التي تصل الجامعة بسوق العمل، والاستشارات والخدمات التي توظِّف خبرات أساتذتها، كلها روافد تصبُّ في نهر واحد اسمه الاستدامة. ولعلَّ أبلغ ما في التجارب العالميَّة أنَّها تؤكد أنَّ ثروة الجامعة الحقيقية ليست في مبانيها ولا في أرصدتها، وإنَّما في العقول التي تحتضنها، والفرص التي تتيحها لها. فإذا أحسنت الجامعات إدارة مواردها، وحكمت استثماراتها، وربطت اقتصاد المعرفة برسالتها الأكاديمية، استطاعت أنْ تنتقل من موقع المستهلك للموارد إلى موقع المنتج للقيمة. وحينئذٍ تصبح الجامعة أكثر قدرةً على تمويل طموحها، وأشد حضورًا في مجتمعها، وأوسع أثرًا في عالمها؛ فالمعرفة حين تُحسن الجامعة استثمارها، لا تبقى ثروةً في العقول، بل تتحوَّل إلى مستقبلٍ تصنعه الأجيال.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store