دخلتُ نادي الأثينيوم في Pall Mall بلندن، بعد لقاءٍ طارئٍ مع رئيسٍ تنفيذيٍّ جاء من بوسطن؛ لنتحدَّث عن تحدِّيات اندماج مستشفيات بوسطن. وفي نادي العلماء والأدباء والفلاسفة والقضاة، وجدتني أحصي ما تغيَّر في اثني عشر شهرًا. ظننتُ أنَّني سأكتبُ عن عام الذكاء الاصطناعيِّ، عام دخلت فيه الآلة مجالسنا وبيوتنا، وتغيَّرت فيه علاقتنا بالمعرفة والعمل والدولة.
ثمَّ خطر لي أنَّ هذا لم يكن أوَّل عام للذكاء الاصطناعي، بقدر ما كان أوَّل عام أدركتُ فيه أنَّنا نعيشُ حقًا ما بعد كوفيد.
للتاريخ البشريِّ طرائق غريبة في تقسيم الزمن. كانت واقعة السيِّد المسيح -عليه السَّلامُ-، ثمَّ صار للعالم في تقويمه ما قبل الميلاد، وما بعده. ولعل كوفيد، دون مقارنة في القداسة أو المقام، كان واقعةً فاصلةً من ذلك النوع: عالمٌ قبل كوفيد، وعالمٌ بعده.
نعرف وحشيَّة المرض، ونعرف قلق اللقاح، والخوف من المرض ومن اللقاح معًا. ونعرف «كوفيد الطويل»، وآثاره في الجسد والأعصاب ما زال الطبُّ يحاول فهمها. لكنَّنا أقل كلامًا عمَّا أصاب البيوت: أسرٌ تغيَّرت طريقة حديثها، وخصومات غريبة ظهرت، وأناسٌ تغيَّر نومهم وأعصابهم وذاكرتهم، وفقدٌ لم يجد دائمًا لغته. كأنَّ كلَّ بيت خرج من الوباء بشيءٍ لا يعرف كيف يصفه.
والأغربُ أنَّنا لم نجتمع بعده.
كنتُ أظنُّ أنَّنا سنعقدُ مؤتمرًا عالميًّا للصحة، كما نعقد مؤتمرًا للسَّلام بعد حرب كُبرى: ماذا حدث؟ ماذا تعلَّمنا؟ وكيف نحمي الإنسان من الوباء القادم، بل ومن آثار تغيُّر المناخ على الكوكب؟ لكنَّنا خرجنا بمنطق غنائم الحرب: اللقاح لمن يملكه، والدَّواء لمن يستطيع شراءه، ثمَّ أسرعنا إلى الأزمة التالية، ثمَّ التي تليها.
لهذا أتفاءل اليوم، بمنظمة الصحَّة العالميَّة. فمن بين المتقدِّمين المحتملِين لقيادتها امرأتان عربيَّتان أعرفُ قدرهما هما: السعوديَّةُ الدكتورةُ حنان بلخي، ابنةُ مكَّة المكرَّمة، والقطريَّةُ الوزيرةُ الدكتورةُ حنان الكواري. وقد عملنا معًا في مؤسَّسة حمد الطبيَّة، وفي إصلاح قطاع الصحَّة في قطر، ورأيتُ فيهما من خير ما قدَّمه عالمنا العربي للصحَّة العامَّة. والحمدُ للهِ.
ولعلَّ العام الذي حسبناهُ عامَ الذكاء الاصطناعيِّ يصبح، على نحوٍ أجمل، عامَ المرأة العربيَّة والصحَّة العامَّة، عامًا نستعيدُ فيه البيت قبل أنْ نستعيد العالم.
عام الحنان.
فالتشافي ليس أنْ ننسى المرض، بل أنْ نستطيع الكلام عنه.
الضبط يبدأ في الطريف... وفي العالم يُختَبَر.
هامش تعليمي/توضيحي:
نادي الأثينيوم (The Athenaeum) في Pall Mall بلندن، تأسس عام 1824 ملتقىً لأهل الأدب والعلم والفنون، ثمَّ ضمَّ في عضويته أجيالًا من العلماء والكتَّاب والقضاة ورجال الدولة؛ وكان من أعضائه تشارلز داروين، وتشارلز ديكنز، ومن أوائل القائمين عليه العالِم مايكل فاراداي.


