بعد منتصف اللَّيل بقليل، استعاد المستشفى بعضًا من هدوئه.
جلس الطبيبُ أمام شاشة صمَّاء يكتبُ رسالته الأخيرة لهذا اليوم. مرَّ زميلٌ له منهيًا نوبته، ولوَّح مودِّعًا ثمَّ انصرف. كان على الطاولة كوب قهوة بارد، وعلى هاتفه تراكمت الرسائل منذ الصباح، عائلة تسأل عنه. صديق أرسل صورة من اجتماع لم يحضره. رسالة قصيرة تقول: "لقد اختفيت أين أنت؟"
قرأها، ابتسم، ثم أعاد هاتفه.
فقد قضى اليوم بأكمله بين النَّاس المرضى، وعائلاتهم، والأطبَّاء، والمُمرِّضات، والطُّلاب. استمع إلى مخاوفهم، وشرح لهم أمراضهم وطمأنهم، وضحك مع البعض، وبكى مع البعض، وأجاب على عشرات الأسئلة، فلم يكن وحيدًا ولو لدقيقةٍ واحدةٍ. ومع ذلك، كانَ وحيدًا.
لعلَّ هذه إحدى المفارقات الخفيَّة في مهنة الطِّب، أنَّ الطبيب يقضي حياته مُحاطًا بالنَّاس، بينما تتضاءل المساحة المُتاحة له للتواصل معهم تدريجيًّا.
لم يعد هذا العزل مجرَّد تصوُّر بشري لمهنة مرهقة. ففي دراسة حديثة شملت 3103 أطبَّاء، بلغت نسبة الإرهاق 65.7% بين الأكثر عزلةً اجتماعيًّا مقارنةً بـ 15.3% فقط بين الأقل عزلة. كما ارتفعت نسبة الأفكار الانتحاريَّة خلال العام السَّابق من 2.3% إلى 14.8% في كلا طرفي طيف العزلة مع ارتباط ساعات العمل الطويلة بارتفاع هذه النسب.
قد لا تعني هذه الأرقام أنَّ العزلة وحدها هي سبب الإرهاق، فالعلاقة أكثر تعقيدًا. ومع ذلك فهي ترسم حلقة مفرغة يصعب تجاهلها، فالعملُ يستنزفُ وقت الطبيب؛ ممَّا يقلل الوقت المتاح للأصدقاء والعائلة والزملاء، ويضعف العلاقات التي كان من الممكن أنْ تخفِّف من ضغوط العمل نفسه.
في دراسة أُخْرى أفاد ما يقارب 43% من الأطبَّاء بشعورهم بالوحدة، وارتبط ذلك بالإرهاق المهنيِّ، والإنهاك العاطفيِّ والاكتئاب. في المقابل أظهرت دراسة حديثة نُشرت في مجلة JAMA Network Open، وشملت أكثر من 14000 طبيب أنَّ الشعور بالانتماء والدَّعم من الزُّملاء يرتبط بانخفاض الإرهاق المهنيِّ، وتراجع الرَّغبة في تقليص ساعات العمل، أو ترك المؤسَّسة. ولعلَّنا هنا نتوقَّف لنفكِّر في سؤال لا يظهر عادةً في بيانات المستشفيات.. هل يشعر الطَّبيب بالانتماء إلى المكان الذي يعمل فيه؟
لقد أصبحنا بارعِين في قياس كلِّ شيء تقريبًا: عدد المرضى، أوقات الانتظار، معدَّلات الإشغال، ساعات العمل، الإنتاجيَّة، مؤشرات الأداء. لكنَّ النَّاس لا يعيشُون وفقًا للأرقام وحدها، والمؤسَّسة ليست مجرَّد جدران ولوائح ومقاييس، بل هي أيضًا ذلك الشعور الخفي بوجود شخصٍ يعرفك، ويلاحظ غيابك، وشخص يمكنك الجلوس معه، دون أنْ تكون الطبيب طوال الوقت.
من المثير للاهتمام أنَّ مراجعة منهجيَّة حديثة شملت أكثر من 18,000 مشاركٍ في دول الخليج معظمهم من وطننا الغالي، وقطاع الرِّعاية الصحيَّة كشفت عن ارتفاع معدَّلات الإرهاق المهنيِّ، لكنَّها كشفت -أيضًا- عن ثغرة جديرة بالدِّراسة لم يتم قياس الانتماء المهنيِّ إطلاقًا في الدِّراسات المشمولة كما لم يتم قياس الدعم الاجتماعيِّ في مكان العمل بشكل منهجيٍّ كافٍ.
يبدو الأمر كما لو أنَّنا تعلَّمنا قياس الإرهاق المهنيِّ لدى الأطبَّاء لكنَّنا لم نتعلَّم بعد قياس مدى تأثيره على الآخرين.
لهذا السَّبب، لا يبدأ تحسين الصحَّة المهنيَّة دائمًا بمبادرة ضخمة، أو محاضرة جديدة حول الإرهاق المهنيِّ. أحيانًا يبدأ بأمورٍ تبدو صغيرةً جدًّا، بحيث لا تتَّسع لها التقارير السنويَّة استراحة للأطباء، حيث تُستأنف المحادثات.. غداء لا يُتناول أمام الشاشة.. فنجان قهوة بين الجوَّلات.. مشرف يطرح أسئلة بدافع المعرفة لا التقييم.. وزميل يُلاحظ صمت زميله قبل أنْ يلاحظ تأخُّر علاجه.
العلاقات والانتماء والدعم الاجتماعي ليست ترفًا نضيفه إلى حياة الطبيب بعد العمل، إنَّهم جزءٌ ممَّا يمكِّنهم من الاستمرار في هذه المهنة دون أنْ يفقدوا أنفسهم في خضمِّها.
أنهى الطبيبُ فحصه، وأغلق جهازَه، وسار في الممرِّ الطويل حيث أمضى سنواتٍ يُطمئِن مرضاه بشتَّى الطرق بأنَّهم لن يواجُهوا أمراضَهم وحدَهُم.
عند باب المستشفى، أخرج هاتفه. كانت الرسالة لا تزال هناك "لقد اختفيتَ أينَ أنت؟" توقَّف للحظةٍ، ثمَّ كتبَ: "أنَا هُنَا". ربَّما لا ينبغي للمؤسَّسات التي ترغب في بقاء أطبَّائها، أنْ تكتفي بسؤالهم عن ساعات عملهم، وإنجازاتِهم، وعدد المرضى الذين عالجُوهم، بل عليها أنْ تتأكَّد، بين الحينِ والآخر، من أمرٍ أبسط بكثيرٍ أنْ يجدُوا وسط كلِّ مَن يهتم لأمرهم، مَن يهتم لأمرهم، ويحرصُ على سلامتهم.


