الخيالُ ليس رفاهيةً في حياة الطفل، ولا مساحةً للهروبِ من الواقع، بل هو إحدى أهم الأدوات التي تساعدُه على فهم العالم، وصناعة عالم جديد. الطفلُ الذي يتخيَّل كثيرًا، يسألُ أكثر، ويرَى الاحتمالات التي قد لا يراها الآخرُون. ومن هنا تبدأ الحكايات، وتُولد الأفكار، ويكبرُ الإبداع.
وأنا أحبُّ القراءة، وأؤمنُ أنَّ علاقتنا بالكتابِ في سنوات الطفولة يمكنُ أنْ تصنعَ فارقًا كبيرًا في شخصيّة الإنسان. فالكتابُ لا يمنحُ الطفلَ معلوماتٍ فقط، وإنَّما يمنحه شخصيَّات وأماكن وأسئلة ومواقف، ويترك له مساحةً ليكملَ الصورة بخياله. كل صفحة يقرأها الطفلُ، يمكنُ أنْ تكون بدايةً لفكرة، وكل شخصيّة يتعرَّف إليها، قد تفتحُ أمامه بابًا لعالم مختلف.
ولهذا أعتقدُ أنَّنا بحاجةٍ إلى أنْ ننظر إلى الخيال باعتباره جزءًا أساسًا من التعليم، لا نشاطًا جانبيًّا. ومع دخولنا مرحلة جديدة ومهمَّة في مسيرة السينما السعوديَّة، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: من أينَ ستأتي النصوصُ والأفكارُ الجديدةُ؟
أرَى أنَّ مادّة كتابة السيناريو تستحقُّ أنْ تدخل ضمن المناهج في المرحلة الثانويَّة، ليس بهدفِ تخريج كتَّاب سيناريو محترفِين في سنٍّ مبكرة، وإنَّما لتعليم الطالب كيف يبني فكرةً، ويخلقُ شخصيَّةً، ويكتبُ حوارًا، ويحوِّل موقفًا بسيطًا إلى قصَّةٍ يمكن أنْ تُروى على الشَّاشة. هذه المهارات ستمنح أبناءنا فرصةً للتعبير، وتدرِّبهم على التفكير بطريقة مختلفة، وتمنح الموهوب منهم بداية حقيقيَّة لاكتشاف قدرته.
نحنُ اليوم، بحاجةٍ إلى نصوصٍ سعوديَّةٍ تحمل خيالنا وأسئلتنا وخصوصيَّة مجتمعنا، وإلى أفكارٍ جديدة لا تعتمد على إعادة تدوير قصص شاهدناها من قبل. نجاحُ السينما السعوديَّة لن يكون بعدد الأعمال التي ننتجها فقط، وإنَّما بقدرتنا على تقديم حكايات جديدة تستحقُّ أنْ تُروَى.
لا نحتاج إلى مزيدٍ من الاقتباسات المتشابهة، أو القصص المستوردة التي تفقد روحها وهي تنتقل من شاشة إلى أخرى. نحتاجُ إلى كاتبٍ صغيرٍ يجلسُ في فصله، ويجرؤ على أنْ يقول: «لديَّ حكاية لم يكتبهَا أحدٌ من قبل».
حين نعلِّم أبناءنا كيف يتخيَّلُون، فنحنُ لا نعلِّمهم الكتابة فقط؛ نحن نمنح المستقبل فرصةً لأنْ يكون أكثر ابتكارًا.
* من النافذة: السِّينما السعوديَّةُ تبدأُ من خيالِ طفلٍ يكتبُ حكايَتَهُ الأُولَى.


