Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد ادريس

الاختناقات المرورية في جدة.. «الرياض» أنموذجًا

A A
كتبتُ عن الاختناقاتِ المروريَّة من قبل ومن بعد، وأعودُ إليها مع إشراقة مقالِ الخميس، لا لأُكرِّر ما سبق، وإنَّما لأنَّ بعض المشاهد تفرضُ على الكاتب العودة إليها، مع اتِّساع دائرة المتأثِّرين بها.
وأنا أكتبُ عن هذا الملفِّ، لا أغفلُ الجهودَ الكبيرة التي تبذلُها الجهاتُ المعنيَّةُ، ولا أضعُ «الملحوظة الصحفيَّة» في مواجهة تلك الجهود. أعرفُ أنَّ كثيرًا من الجهات تتابعُ ما يُطرح إعلاميًّا، وتأخذ الملحوظات الجادَّة بعين الاهتمام، وأحسب أنَّ الكاتب الصحفيَّ في نهاية الأمر شريكٌ بالملحوظة، يرى من موقعه جزءًا من الصُّورة، فيما تتحمَّل الجهاتُ المختصَّةُ مسؤوليَّات أكبر، وتفاصيل أكثر تعقيدًا.
لكن ماذا يعني أنْ تقطع مسافةً على طريقٍ رئيسٍ في جدَّة، قد لا تتجاوز عشرين كيلومترًا، في ثلاث، أو أربع ساعات؟ هذا ليسَ سؤالًا افتراضيًّا، فمثلُ هذه الرِّحلات الطَّويلة وسط الازدحام تكرَّرت أخيرًا على بعض المحاور، و»طريق الحَرَمين» أحدها فيما يعرف مستخدمُو «طريق المدينة»، وغيره من الطُّرق الرئيسة حجم الضغط الذي تشهده في أوقاتٍ مختلفةٍ. وقد ننشغلُ بعددِ السيارات، وسعة الطَّريق، والتَّحويلات والحوادث، وننسى عنصرًا أراهُ مهمًّا جدًّا: الوقت.
ففي ساعات محدَّدة من الصباح تتحرَّك المدارسُ والجامعاتُ والموظَّفُون والموظَّفاتُ وأولياءُ الأمورِ في توقيتٍ متقاربٍ، وفي نهاية الدَّوام تتكرَّر الصُّورة في الاتِّجاه الآخر. والنتيجة أنَّ المدينة تدفعُ بجزءٍ كبير من حركتها اليوميَّة إلى الطرق خلال فترة زمنيَّة محدودة، ومن هنا أتساءل: لماذا لا نديرُ أوقاتنا إلى جانب إدارتنَا لطرقنَا؟
الرياض تقدِّم تجربةً تستحقُّ الدراسة، والاستفادة منها، لا أملكُ أرقامًا تجعلني أقيسُ نتائج كلِّ معالجة مروريَّة فيها، ولا أريدُ أنْ أطلق حكمًا لا يستند إلى قياس، لكنَّ ما شهدته العاصمة من توسُّع في وسائل النقل العام، وتعدُّد خيارات التنقُّل يقدِّم تجربةً وطنيَّةً يمكن قراءة ما نجح منها، ونقل المناسب إلى مدن أخرى، فمدننا ليست جزرًا منفصلةً، وما ينجح في الرياض، قد يحمل فكرةً تناسب جدَّة، وما تنجح فيه جدَّة قد تستفيدُ منه مدينةٌ أخرى على سبيل المثال، تبدأ قطاعات مختلفة أعمالها في أوقات متقاربة! ليس المقصود أنْ يبدأ الجميعُ العاشرة صباحًا، أو في ساعة نحدِّدها من مقعد الكاتب، فذلك قد ينقل الازدحام من السابعة إلى العاشرة فقط، الفكرةُ أوسع توزيع أوقات بداية الدَّوام ونهايته، مع المحافظة على ساعات العمل المقرَّرة، بحيث تتحرَّك شرائحُ المجتمع على فتراتٍ مختلفةٍ.
والمدارسُ جزءٌ مهمٌّ من الصورة، يمكن دراسة فروق زمنية مناسبة بين خروج المراحل التعليمية، وكذلك الجامعات والكليات، إلى جانب القطاعات التي تسمح طبيعة أعمالها بتغيير أوقات الحضور والانصراف، عندها لن يكون طالب الابتدائي، وطالب الجامعة، والموظف، وولي الأمر جميعهم على الطَّريق في الفترة نفسها، وتذكَّرتُ هنا مشهدًا شاهدته أمام إحدى المدارس العالميَّة الخاصَّة، كان أفراد الأمن والحراسات الخاصَّة أمام المدرسة ينظِّمُون وصول المركبات، واستلام الطلاب وخروجهم بصورةٍ لافتةٍ. السياراتُ تدخلُ وتغادرُ وفق تنظيمٍ واضحٍ، والمشهدُ كلُّه يُوحي بأنَّ المدرسة تعتبرُ الشارعَ المحيطَ بها جزءًا من مسؤوليَّتها التنظيميَّة، لا مساحة تنتهي مسؤوليَّتها عند بوابتها.
وسألتُ نفسي وقتها: ماذا لو انتقلت هذه التجربة إلى عددٍ أكبرَ من مدارس الأحياء؟ لا أتصوَّر أنَّ وجود رجل مرور أمام كلِّ مدرسة طوال أوقات الدُّخول والخروج أمرٌ يسيرٌ، وربما تستطيع المدارس أنْ تقوم بدور أكبر في تنظيم محيطها، بالتَّنسيق مع الجهات المختصَّة. عشر دقائق توفِّر على مئات أولياء الأمور أمام مدرسة واحدة، قد تبدُو رقمًا صغيرًا، لكنَّها عند جمعها على مدارس المدينة، وأيام الدِّراسة تتحوَّل إلى وقت كبير، «القضية إذن ليست زحامًا فقط».
إنَّها ساعات من أعمار النَّاس، وموظف يصل إلى عمله مستنزفًا، وطالب يعود إلى منزله بعد رحلة أطول ممَّا ينبغي، وأسرة تُعيد ترتيب يومها كله؛ بسبب طريق لا تعرف كم سيستغرق عبوره.
ولعلَّنا بحاجةٍ إلى أنْ نضع «ساعة المدينة» على طاولة معالجة الازدحام، إلى جانب الطَّريق والإشارة والنقل العام والمرور، فالمدينة التي يتحرَّك معظم سكانها في التوقيت نفسه، ستظل طرقها تحت ضغط مهما توسَّعت شبكتها.
* نقطة تحت السطر:
قبلَ أنْ نسألَ الطريقَ لماذَا ازدحمَ.. لنسأل ساعةَ َالمدينة: لماذَا أرسلنَا الجميعَ إليهِ في الوقتِ نفسِهِ؟.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store