لسنا بصدد مقارنة جيل اليوم بجيل الآباء والأجداد، فلكلِّ مرحلة ظروفها ومتغيِّراتها، ومن الطبيعي أنْ تختلف الأجيال في أساليب حياتها وتفكيرها. لكنْ ثمَّة مفارقة تستحق التأمل: كانت أسر الأمس، رغم محدوديَّة التعليم والإمكانات، تؤدِّي دورًا تربويًّا كبيرًا، بينما تمتلك الأسرة اليوم من التعليم والوسائل ما لم يكن متاحًا من قبل، ومع ذلك تراجع حضورها التربوي في حياة بعض الأبناء.
في الماضي لم تكن الأسرة وحدها تقوم بهذا الدور، فالعم والخال والجار وإمام المسجد كانوا جميعًا شركاء في التربية. وكان الابن يجد حوله من يوجهه وينصحه ويحاسبه، كما كان يشارك أسرته أعمالها، فيتعلم من الحياة الصبر والانضباط وتحمل المسؤولية والتعامل مع الآخرين.
أما اليوم، فقد أصبحت بعض الأسر تختزل دورها في توفير احتياجات الأبناء، بل وكمالياتهم، بينما تتراجع المتابعة والحوار والقدوة والمشاركة في اهتماماتهم. ثم إذا ظهر ضعف دراسي أو سلوك غير مرغوب، اتجهت أصابع الاتهام إلى المدرسة والمعلم، وكأن مسؤولية التربية تبدأ عند بوابة المدرسة.
وتؤكد الدراسات التربوية أن مشاركة الوالدين ودعمهم وتوقعاتهم الإيجابية ترتبط ارتباطًا واضحًا بتحسن التحصيل الدراسي وجودة التخطيط للمستقبل. فالأبناء الذين يجدون أسرًا تتابعهم وتحفزهم وتدعم طموحاتهم تكون فرص نجاحهم أكبر. وليس المقصود بالمتابعة أن يتحول الوالدان إلى معلمين خصوصيين، وإنَّما أنْ يكونا حاضرين في حياة أبنائهما: يعرفان اهتماماتهم، ويتابعان أصدقاءهم، ويستمعان إليهم، ويشجِّعان إنجازاتهم، ويقدِّمان لهم القدوة قبل النصيحة.
ولعل نجاح كثير من أبنائنا وبناتنا الموهوبين في المحافل المحليَّة والدوليَّة شاهد واضح على أنَّ وراء الإنجاز أسرة آمنت بقدرات أبنائها، وساندتهم، وتابعتهم، ووفرت لهم البيئة التي تساعدهم على النجاح.
إنَّ المدرسة والأسرة جناحا طائر، ولا يمكن لأحدهما أنْ يحلق بالابن وحده. فالمدرسة تعلِّم وتوجِّه، والأسرة تتابع وتحتضن وتربِّي، وكلَّما تكامل الدوران كان الطريق إلى النجاح أكثر وضوحًا.
لَيسَ اليَتيمُ مَنِ اِنتَهى أَبَواهُ مِن
هَمِّ الحَياةِ وَخَلَّفاهُ ذَليلا
إِنَّ اليَتيمَ هُوَ الَّذي تَلقَى لَهُ
أُمّاً تَخَلَّت أَو أَباً مَشغولا
فاليُتم التربوي ليس بالضرورة غياب الأب أو الأم، بل قد يكون غياب حضورهما الحقيقي.
لسنا بحاجة إلى أنْ نعيد أبناءنا إلى حياة الماضي، وإنَّما نحن بحاجة إلى أنْ نستعيد من ذلك الماضي روح المسؤوليَّة والمشاركة والقدوة، ونوظِّف إمكانات الحاضر لبناء جيل يعرف كيف يتعلم، وكيف يتحمَّل المسؤوليَّة، وكيف يصنع مستقبله.


