كان جالسًا في المسجد، يذكرُ الله، يقرأُ القرآن، كنتُ اتابعهُ بنهمٍ، رفع يديه إلى السَّماء يدعُو ويدعُو.... اقتربتُ منه، سلَّمتُ عليه بحرارةٍ، سألته: هل لديك مشكلات؟ صمتَ، وقالَ: اللَّهُمَّ أعطنِي فوقَ الصَّبرِ صبرًا!
وتركَ دموعه على خدَّيه تتساقط تترَى لتجيبني... رحلَ وفي رأسي ألفُ سؤالٍ وسؤال متعجِّبًا اللهُ أعلم ماذا يحملُ من همٍّ هذا الشيخ الوقور؟!
نعم نحتاج إلى الصَّبر والاستعانة بالله، هنا تذكَّرتُ حكمةً سمعتها من رجلِ الأعمال الذي أبدله اللهُ بعد غناهُ فقرًا.. ما الذي أبدل حالك هكذا؟ فقال مبتسمًا راضيًا بقضاء الله وقدره: «أرضُ اللهِ واسعةٌ»!
لكلِّ الحكايتين تصبُّ في نهرٍ واحدٍ، وهو الصَّبرُ واتِّخاذ الأرضِ مسعى لتعويض ما فات من أحداثِ ومجرياتِ الحياةِ وصعوباتها، واستقبال الأيام المقبلة ومغادرة الأماكن التي تكسرنا، وأيُّ بيئة تسحبنا إلى الأسفل، ولأي عمل يستنزف طاقاتنا، فأكبر ظلم لنفسك أنْ تبقى في مكان يقهرك (فأرضُ اللهِ واسعةٌ)..
إذًا نحن أمام وصفةِ علاجٍ مهمَّة في أسلوب حياتنا الصَّبر، وأرضُ اللهِ واسعةٌ، فلا داعي أنْ تجلس في دائرة لا تعرفُ تخرج منها، وليس لديك مفاتيح لدخولك قفص الهمِّ والغمِّ والتفكير فانتبه! ألا تضغط على روحك وأعلم جيدًا أنَّ القادم أحسن ممَّا تتوقع!
الصَّبرُ من أعظم القيم الأخلاقيَّة والإيمانيَّة، وله معانٍ دلاليّة ولغويَّة عميقة تتَّسع لتشمل جوانب الحياة المختلفة، ويُعرَّف الصبرُ بأنَّه: حبسُ النَّفسِ عن الجزعِ والتسخطِ، وحبسُ اللسانِ عن الشَّكوى، وحبسُ الجوارحِ عن ارتكابِ ما لا يرضى الله. وينقسم في المفهوم الإسلامي إلى ثلاثة أنواع رئيسة: الصبرُ على الطَّاعة، التمسُّك بأداء العبادات والفرائض، والثبات عليها رغم مشقتها.
وأخيرًا...
يا صبرُ قمْ واغتسلْ بدَمِي
فأنَا في انتظار الصَّبرِ صبرًا
أرضُ اللهِ واسعةٌ في كلِّ روحٍ
وأنتَ تعيش في خاطِرِي دَهرًا


