Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

الألم والأمل في المنظمات

د. إحسان دخيل الله الجهني

A A
تحدثنا سابقًا عن الربح والخسارة في المنظمات، ونكمل اليوم الحديث من زاوية مختلفة: كيف تصنع المنظمة نظامًا لإدارة الألم والأمل؟
يمثل القطاع الصحي أحد أكبر القطاعات الاقتصادية والاستثمارية، وتقوم في قلبه منظومة متكاملة لإدارة الألم وتشخيصه ودراسته وعلاجه. وكما تظهر كفاءة الطبيب أمام الحالات التي يصعب تشخيصها وعلاجها، تظهر قوة القيادة أمام التحديات والألم التنظيمي. فالتحديات لا تصنع القيادة فقط، بل تكشفها أيضًا.
فماذا لو أدارت المنظمات الألم والشكاوى بالعقلية نفسها التي يدير بها القطاع الصحي ألم المرضى؟ ماذا لو تعاملت مع الألم التنظيمي بوصفه فرصة للتشخيص والتعلّم والتطوير والنمو، واختبارًا للقيادة، ومدخلًا لخفض التكاليف وتحقيق الأرباح؟
قد تدفع منظمةٌ ملايين الريالات لشركة استشارية لجمع البيانات وتشخيص مشكلاتها، مع أنها تمتلك مصدرًا ثريًا من البيانات لم تدفع ريالًا للحصول عليه: الشكاوى. من يشتكي؟ ومتى؟ وممَّ؟ وعلى مَن؟ وما الموضوعات المتكررة؟ وأين تظهر الأنماط؟ وماذا تكشف الشكاوى عن الأشخاص والعمليات والسياسات والثقافة التنظيمية؟
تحوّل الإجابة عن هذه الأسئلة الشكوى من تعبير عن عدم الرضا إلى معرفة قابلة للتحليل. وليست العبرة بعدد الشكاوى؛ فقد تحمل شكوى واحدة قيمة تشخيصية تعادل ألف شكوى، لأنها تكشف خللًا جوهريًا أو ممارسة تتكرر بصمت.
والشكوى في معناها البسيط هي الإفصاح عن الألم؛ لذلك لا يعني غيابها بالضرورة غياب المشكلات أو تحقق الرضا. فقد يصمت الموظف لأنه فقد الأمل في الحل، أو انفصل عن المنظمة معنويًا وعاطفيًا، أو اختار حماية نفسه من الاستنزاف في نظام شكاوى صُمم بطريقة تُرهق صاحب الألم دون أن تقوده إلى نتيجة.
ولا نتحدث هنا عن ألم موظف فقط، بل عن قوائم مالية وتكاليف وأرباح. فقد تكشف الشكوى وقتًا مهدَرًا، أو عملية غير فعّالة، أو إدارة تدفع الكفاءات إلى المغادرة. وعندما تخسر المنظمة رأس مالها البشري بسبب غياب نظام التعلّم الذاتي من الشكاوي، فإنها تتحمل تكاليف التسرب والاستقطاب والتوظيف والتدريب والتأهيل، وتفقد المعرفة والخبرة المتراكمة.
نظام إدارة الألم والأمل الجيد يرى الشكاوى فرصة لتعلم المنظمة من نفسها فلا يكتفي بتسجيلها أو إعطاء حلول سريعة قد تنجح أو لا تنجح؛ بل تحركه الرغبة في الفهم والتعلّم والأهم-الفضول. نظام يحمي صاحب الشكوى، ويحلل الأنماط، ويتتبع الاستجابة، ويربط النتائج بالقرارات والعمليات والمؤشرات المالية.
كل ألم أُهمل قد يتحول إلى تكلفة، وكل ألم فُهم واحتواه نظام واضح ومصمم بعناية قد يصبح فرصة للمنظمة كي تتعلّم من نفسها، وتتطور، وتنمو، وتتميّز. فالخطر الحقيقي ليس في المنظمة التي يشتكي فيها الناس، بل في المنظمة التي يتألمون فيها بصمت؛ لأن الشكوى صوت الألم، لكنها أيضًا دليل على أن الأمل لم يمت بعد.
د. إحسان دخيل الله الجهني
[email protected]
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store