Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. خالد محمد باطرفي

المدينة الطبية بجامعة الملك عبدالعزيز.. نحو أيقونة للطب والتعليم

A A
تضم المدينة الطبية بجامعة الملك عبدالعزيز في جدة آلاف الموظفين، وتزخر بكفاءات وطنية متميزة، وتربي أجيالًا من أطباء المستقبل، وتقدم خدماتها الطبية لشريحة واسعة من المجتمع. وهي بهذا الحجم والتاريخ ليست مجرد مستشفى جامعي، بل مؤسسة تعليمية وصحية وإنسانية يفترض أن تكون في طليعة مؤسسات الطب والتعليم في السعودية.
بدأت قصة هذا الصرح قبل نحو أربعين عامًا على يد البرفسور عبدالله حسين باسلامه، رحمه الله، المشرف على تأسيس كلية الطب بالجامعة وأول عميد لها، الذي وضع تصوره وخططه بعناية وطموح كبيرين. وككل مشروع ضخم، واجه في بداياته تحديات في الإمكانات أخّرت افتتاحه، حتى انطلق عام 1995، ليصبح خلال ربع قرن من أبرز المراكز الطبية والتعليمية، ويقدم الخدمة كما أريد لها: علمًا وعلاجًا وإنسانية.
لكن مرحلة ما بعد جائحة كورونا عام 2020 شهدت مراجعة للإجراءات والميزانيات وسياسات القبول والتشغيل. وكان لذلك انعكاسات تستحق الدراسة؛ فقد تراجعت أعداد العمليات الجراحية، وتشددت شروط فتح الملفات، وأغلقت بعض غرف التنويم، وانخفض بالتبعية حجم الحالات التي يتدرب عليها الأطباء. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: أين ينبغي أن يقف التوفير عندما يتعلق الأمر بمستشفى جامعي مهمته مزدوجة؛ علاج الإنسان وصناعة طبيب المستقبل؟
التوفير مطلوب، بل هو ضرورة في إدارة المال العام، ولكن بشرط أن يكون عبر ترشيد الميزانية وحسن توزيع الموارد وترتيب الأولويات، لا على حساب الوظيفة الأساسية للمؤسسة. وأرى هنا ثلاث قضايا تستحق المراجعة.
أولها ضرورة إعادة النظر في العلاقة بين النشاط الأكاديمي والنشاط السريري. فأستاذ الطب يحمل مسؤوليتين كبيرتين: التعليم والعلاج، وكل منهما يحتاج إلى وقت وتركيز ومحاسبة واضحة. وقد لا يكون من الأفضل أن يتوزع الطبيب طوال الوقت بين قاعة المحاضرات والعيادة وغرفة العمليات والمسؤوليات الإدارية، حتى تتداخل المهام والمواعيد.
يمكن أن يكون التعاقد الجامعي للأستاذ محددًا وواضحًا، وأن يقدم للمستشفى خدمات سريرية في أوقات ومهام محددة ومقابل واضح، كما يمكن أن يفعل مع القطاع الخاص، والجامعة أولى بخبرته. وبذلك نحفظ للأستاذ مكانته وحقوقه، وللطالب حقه في التعليم، وللمريض حقه في الموعد والخدمة. فلا ينبغي أن تمتد مواعيد المرضى لأشهر بسبب تداخل المسؤوليات والإجازات والالتزامات المختلفة. المطلوب ليس تحميل الطبيب ما لا يطيق، بل تنظيم عمله بحيث يستطيع أن يعطي كل مسؤولية حقها.
وثانيها أن المستشفيات الجامعية السعودية كانت من أهم الأسباب التي رفعت مستوى التدريب الطبي الوطني، وأسهمت في بناء سمعة الطبيب السعودي حتى أصبح المبتعث والطبيب المتدرب محل تقدير في المراكز الطبية العالمية. لذلك فإن تراجع حجم العمليات أو الحالات المتاحة للتدريب ليس شأنًا تشغيليًا داخليًا فقط، بل قضية تمس مستقبل تنافسية الطب السعودي ومكانته.
ومن هنا لا ينبغي أن يكون التوفير على حساب التجهيزات الضرورية أو الأبحاث أو التدريب السريري أو فرص الممارسة العملية. فما نوفره اليوم في هذه المجالات قد ندفع أضعافه غدًا عندما نحتاج إلى تعويض فجوة في الخبرات أو الكفاءات.
أما القضية الثالثة فهي البعد الإنساني. فنحن في بلاد الحرمين نحمل إرثًا عظيمًا في خدمة الإنسان، مواطنًا كان أو مقيمًا أو ضيفًا. نعم، لا بد من تنظيم العلاج وترشيد الإنفاق ووضع الأنظمة التي تمنع الهدر، ولكن ينبغي، في الوقت نفسه، البحث عن الحلول التي تمنع رد المحتاج إلى العلاج إذا لم يكن له سبيل إليه.
لدينا عشرات الجمعيات الطبية والخيرية التي يمكن أن تسهم في تحمل تكاليف العلاج للحالات المحتاجة، كما يحدث في القطاع الخاص. ويمكن بناء منظومة شراكات بين المستشفى وهذه الجمعيات والقطاع الوقفي والتأمين الصحي، بحيث نحقق التوازن بين الاستدامة المالية والرسالة الإنسانية.
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية: المعلومات. فالطب الحديث لا يقوم فقط على الطبيب والدواء والجهاز، بل على البيانات أيضًا. والسجل الطبي والمعلومات الصحية كنز للبحث والتخطيط وقياس الأداء. لذلك فإن أي نظام معلومات جديد يجب أن يجعل الوصول المنظم والآمن إلى البيانات أكثر سهولة للأطباء والباحثين ورؤساء الأقسام، لا أكثر صعوبة. فالبيانات التي لا يمكن تحليلها تضيع معها فرص كبيرة لتحسين الخدمة والتعليم والبحث العلمي.
ويبقى أمام المدينة الطبية مجال أوسع للريادة. رؤيتي للطب البشري رؤية تكاملية لا تفصل الجسد عن النفس. وقد عرف تاريخ الطب الإسلامي نماذج سبقت عصرها، كالرازي وغيره، في فهم أثر الحالة النفسية والبيئة المحيطة بالمريض في العلاج. واليوم يعيد الطب الحديث اكتشاف أهمية الرعاية التلطيفية، والدعم النفسي، والتغذية، والنشاط البدني، والترفيه العلاجي، إلى جانب العلاج الطبي المبني على الدليل.
فلماذا لا تكون المدينة الطبية بجامعة الملك عبدالعزيز رائدة في بناء نموذج سعودي للطب الشامل المتكامل، يجمع أحدث ما وصل إليه الطب الحديث مع الرعاية النفسية والتلطيفية والتأهيلية، ويدرس علميًا ما يمكن الاستفادة منه من الموروث الطبي العربي والنبوي والشرقي وفق معايير البحث والدليل؟
جلست مع إدارة المستشفى، وطرحت عددًا من هذه الأفكار، ووجدت تفهمًا وتأييدًا لها. كما لمست أن المجمع الطبي يضم نخبة من الكفاءات الوطنية وضيوف الوطن، وأن كثيرًا مما يحتاج إليه ليس بالضرورة ميزانيات ضخمة بقدر حاجته إلى التنظيم، وإعادة ترتيب الأولويات، ومنح الكفاءات مساحة أكبر للمبادرة.
لدينا التاريخ، والكفاءات، والبنية الأساسية، والطموح الوطني. وما نحتاج إليه هو أن نعيد تعريف الهدف: ألا تكون المدينة الطبية مجرد مستشفى جامعي كبير، بل نموذجًا للطب الجامعي السعودي في أفضل صوره.
ولنرفع السقف أكثر: أن تكون المدينة الطبية بجامعة الملك عبدالعزيز، بحلول عام 2030، أيقونة سعودية للطب الشامل المتكامل، ومركزًا رائدًا للتعليم والتدريب والبحث، ومؤسسة لا تنسى وسط الحسابات والميزانيات أن الإنسان كان، وسيظل، غايتها الأولى.
@kbatarfi
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store