Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

لا تختصروا مستقبلهم في اختبار

No Image

A A
في المدرسة الواحدة، يجتمعُ طلابٌ وطالباتٌ جاؤوا من بيئات مختلفة، وظروف أسريَّةٍ واجتماعيَّةٍ وماديَّةٍ وصحيَّةٍ متباينةٍ، لكنَّهم في نهاية الطريق قد يجدُون أنفسهم أمام اختبارات موحَّدة، تُسهم بدرجة كبيرة في تحديد مساراتهم الجامعيَّة ومستقبلهم المهني.
خالد، مثلًا، يعيش ظروفًا أسريَّة قاسية؛ أب وأم منفصلان، وأب بعيد عن تفاصيل حياة أبنائه، وأمٌّ تتحمَّل وحدها مسؤوليَّة الإنفاق والتربية والتوجيه وبناء الشخصيَّة. فهل يمكن أنْ تكون نشأة خالد وظروف استعداده النفسيِّ والدراسيِّ مماثلةً لغيره؟
وفي الفصل نفسه قد يكون أحمد، الذي فقدَ والديه، وتربَّى في بيت جدته، حيث لا يتجاوز المتاح أحيانًا توفير متطلَّبات الحياة الأساسيَّة. جدَّة مُحبَّة وحريصة، لكنَّها قد لا تملك الأدوات التي تساعدها على مواكبة عالم سريع التغيُّر، أو توجيه حفيدها وسط تعقيدات التعليم الحديث وخياراته.
وفي المقابل، نشأ عبدالله في أسرةٍ مستقرَّةٍ ومتوازنةٍ، وفرت له الرعاية والتعليم والتوجيه والبيئة المناسبة للاجتهاد والتفوق.
هذه ليست حالات استثنائيَّة، بل نماذج لظروف كثيرة يعيشها أبناؤنا. فمنهم مَن فقدَ الاستقرارَ؛ بسبب مرض أحد الوالدين أو وفاته، ومنهم مَن تبدَّلت أحوال أسرته بعد فقدان الوظيفة أو التقاعد، أو تراجع الدخل، فتأثرت نفسيته وقدرته على التركيز والتحصيل.
وفوق ذلك كلِّه، يعيش الجيلُ الجديدُ تحت ضغط مؤثِّرات خارجيَّة هائلة. منصَّات التواصل، والمحتوى السريع، والاتجاهات المتغيِّرة، والمؤثِّرون، وثقافة «الترند»، كلها تتنافسُ على تشكيل وعي الشاب واهتماماته، في مرحلة لم تتبلور فيها هويته بعد، ولم يكتشف بالضرورة ميوله وقدراته الحقيقيَّة.
وأتذكَّر زمنًا قريبًا كانت فيه مساحة معتبرة من الترفيه تحمل مضمونًا معرفيًّا. كنا نشاهد الشيخ محمد متولي الشعراوي يفسِّر القرآن بلغة تصل إلى الكبير والصغير، وننتقل إلى برامج مثل «بنك المعلومات»، فنجد مسابقات وأسئلة تستفزُّ الفضول، وتدفع المشاهد إلى التفكير والمشاركة، حتَّى وهو جالس أمام الشاشة. وكانت مثل هذه البرامج تنتقل من التلفاز إلى المجالس والبيوت، فتتحوَّل المعرفة إلى لعبة عائليَّة ومنافسة ممتعة.
اليوم تغيَّر المشهد كثيرًا. ليس صحيحًا بالطبع أنَّ المحتوى النافع اختفى، لكنَّه أصبح ينافس سيلًا ضخمًا من المواد السريعة والسطحيَّة التي تستهلك الوقت والانتباه أكثر ممَّا تبني المعرفة.
وهنا أصل إلى السؤال الأهم: كيف نقيسُ قدرات أبنائنا؟ وكيف نقرِّر مستقبلهم؟
يقولُ الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
بعد سنوات طويلة من التعليم العام، يدخلُ الطالبُ مرحلة يصبح فيها أداؤه في اختبارات مثل القدرات العامَّة والتَّحصيلي و«STEP»، إلى جانب معدَّله الدراسيِّ ومتطلَّبات الجامعات، عنصرًا مؤثرًا في فرص قبوله ومساره الجامعي.
ولستُ ضد الاختبارات المعياريَّة من حيث المبدأ، فالجامعات تحتاج إلى أدوات للمفاضلة بين أعداد كبيرة من المتقدِّمين، وتحتاج الدولة إلى معايير تساعدها على توجيه الموارد التعليميَّة بكفاءة. لكنَّ السؤال المشروع هو: هل أعددنا أبناءَنا لهذه الأدوات بالقدر الكافي؟ وهل تكشف هذه الاختبارات وحدها حقيقة قدراتهم وميولهم واستعداداتهم؟
قد يحلم طالبٌ بدراسة الطب، ثمَّ لا تسمح له نسب القبول المركَّبة إلَّا بتخصص بعيد عن طموحه. وقد تطمح طالبةٌ إلى الهندسة، فتجد نفسها أمام تخصُّص لم تفكر فيه من قبل. وقد تضطر طالبةٌ إلى الاختيار بين تخصص لا تريده في مدينتها، وتخصص تفضِّله في مدينة بعيدة، بينما ظروفها الأسريَّة لا تسمح لها بالانتقال.
المشكلة هنا ليست في وجود معيار للقبول، بل في أنْ يتحوَّل المعيار إلى حاجز من دون أنْ تسبقه منظومة متكاملة لاكتشاف القدرات والميول والاستعداد لها.
وقد دفعني الفضول إلى الاطِّلاع على نماذج من أسئلة هذه الاختبارات. ووجدتُ نفسي أتساءل عن العلاقة بين بعض المهارات التي تقيسها، وبين ما يحتاج إليه الطالبُ فعلًا في دراسته الجامعيَّة، وحياته العمليَّة. وربما كانت لهذه الأسئلة أسس علميَّة لا يراها غير المتخصِّص، ولذلك فإنَّ المطلوب ليس إلغاء الاختبارات، بل شرح فلسفتها للطلاب والأُسر، وبيان ما تقيسه، ولماذا تقيسه؟ ومراجعة أدواتها باستمرار للتأكُّد من قدرتها على التنبؤ بالنجاح الأكاديمي.
ما أطالبُ به أبسط وأعمق في الوقت نفسه: أنْ نبدأ إعداد الطالب منذ سنواته الأولى، لا قبل الاختبار بأشهر.
نحتاج إلى تعليم اللُّغات، والمهارات الرقميَّة والتقنيَّة منذ المراحل المبكِّرة، وإلى حصص للإرشاد الأكاديميِّ والمهنيِّ تساعد الطالب على اكتشاف نفسه وميوله، وإلى تدريب منهجيٍّ داخل المدارس على مهارات التفكير والاستدلال وحلِّ المشكلات التي تقوم عليها اختبارات القياس، بدل أنْ يصبح الاستعداد لها مسؤوليَّة الأسرة أو الدورات التجاريَّة وحدها.
ونحتاج كذلك إلى دعم نفسيٍّ وتربويٍّ يراعي اختلاف البيئات التي يأتي منها الطلاب. فالعدالة لا تعني أنْ نضع الجميع أمام الاختبار نفسه فقط، وإنَّما أنْ نتيح لهم فرصًا متقاربة للاستعداد له وإظهار أفضل ما لديهم.
نحن نريد مجتمعًا واعيًا، قادرًا على مواكبة التحوُّلات العلميَّة والتقنية المتسارعة، وندرك أنَّ شبابنا هم من سيحمل مسؤوليَّة المستقبل. ولذلك ينبغي ألَّا نكتفي بقياس قدراتهم عند نهاية الطريق، بل علينا أنْ نبني تلك القدرات منذ بدايته.
اختبروا أبناءنا، وقيسُوا قدراتهم، وارفعُوا معايير القبول إنْ كان ذلك يحقق جودة التعليم، لكن قبل كل ذلك، امنحُوهم الأدوات التي تجعل المنافسة عادلةً، وساعدُوهم على معرفة أنفسهم واختيار مستقبلهم.
أعيدُوا النظر في الطريق كله، لا في الاختبار وحده، وادعمُوهم منذ الخطوة الأولى.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store