قال أبو العلاء المعرِّي:
«كلُّ مََن لاقيتُ يَشكُو دهرَهُ
ليتَ شِعري هذهِ الدُّنيَا لِمَنْ؟»
تتكرَّر هذه الحقيقة في حياة البشر، منذ أنْ خلق الله الأرض ومَن عليها؛ فالدنيا لم تُخلق صفوًا لأحدٍ، ولم ينجُ إنسان من همٍّ أو ابتلاءٍ. الغنيُّ يشكُو، والفقيرُ يشكُو، والمريضُ يشكُو، وحتى الصحيح يحمل من الهموم ما قد لا يظهر للنَّاس. ومن رُزق الذريَّة قد يبتلى بهمِّ تربيتهم، ومَن حُرم منها يعيشُ ألمَ الفَقْدِ والانتظارِ، والعاملُ يشكُو عناء العمل، ومَن لا عمل له يشكُو ضيقَ الحال. وكأنَّ النَّاسَ جميعًا يعيشُون تحت معنى قولهِ تعَالَى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾.
وأتذكَّر أنَّه عندما كنتُ طالبًا في برنامجِ الدكتوراة بجامعة وسط ويلز في تسعينيَّات القرن الماضي، مررتُ ببعض الظُّروف الصَّعبة؛ بين متاعب الدِّراسة، ومرض الأبناء؛ بسبب شدَّة برودة الطقس، وفَقْد بعض الأقارب. وفي تلك الفترة التقيتُ بزميلٍ عربيٍّ عزيزٍ كان يدرسُ معنا في الجامعة نفسها، وشعر بما أحمله من همٍّ، فجلستُ أحدِّثه عن بعض ما أعانيه، لكنَّه بدأ يسردُ لي من همومه وآلامه؛ ما جعلني أدرك أنَّ ما أحمله، على ثقلهِ، قد يكون أخفَّ بكثير ممََّا يحمله غيري.
ومع ذلك، كان الرجلُ صابرًا، شاكرًا لله، محتسبًا أجر الابتلاء عند الله -سبحانَه وتعَالى-. ولتخفيف ما أشعرُ به، ذكر لي قصَّة تحمل الكثير من العِبر، قال فيها: إنَّ عمدة إحدى القُرى علم أنَّ أهل قريته يكثرُون الشَّكوى من هموم الحياة، فطلب منهم أنْ يجتمعُوا يومًا في سوق القرية، وأنْ يحمل كلُّ واحد منهم همَّه ويضعه أمامه. ثمَّ طلب من الجميع أنْ يمرُّوا على هموم الآخرِين، ولكلِّ واحد منهم الحريَّة في أنْ يختار أيَّ همٍّ يراه أخف من همِّه ويأخذه بدلًا عنه.
وبعد أنْ تأمَّل النَّاسُ هموم غيرهم، كانت النتيجةُ عجيبةً؛ إذ عاد كلُّ واحد منهم إلى همِّه الأول راضيًا به، بعدما أدرك أنَّ ما يحمله غيره قد يكون أشد وأقسى ممَّا يظن.
ثمَّ قال لي صاحبي عبارةً لا تزال عالقةً في الذهن: «تذكَّر أنَّها دُنيا». وهي عبارة تختصر الكثير من الحكمة؛ فالدُّنيا دارُ ابتلاءٍ وليست دارَ بقاءٍ، ودارُ اختبارٍ لا دارَ استقرارٍ. وقد ورد في بعض الأخبار: «إنَّ هذه الدنيا دارُ التواءٍ لا دارَ استواءٍ، ومنزلُ ترحٍ لا منزل فرحٍ، فمن عرفها لم يفرح لرخاءٍ، ولم يحزن لشقاءٍ».
إنَّ الإنسان حين ينظر إلى مَن هو أشد منه بلاءً، يدرك حجم النعم التي يعيش فيها، فتصفُو نفسه، وتهدأ روحه، وتكبرُ في داخله قيمة القناعة والرِّضا. ولذلك قال النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «انظرُوا إلَى مَن هُو أَسفل مِنكُم، ولََا تنظرُوا إِلى مَن هُو فوقكُم، فإنَّه أجدرُ ألَّا تزدرُوا نعمةَ اللهِ عليكُم».
ولعل من أجمل ما نُسب إلى المعرِّي قوله:
«هذِهِ الدُّنيَا لِمَن طلَّقهَا
وَارْتَضى منهَا بَعَيشٍ وكَفنٍ»
فالسعادةُ الحقيقيَّةُ ليست في كثرة ما نملك، بل في رضا النَّفس، وطمأنينة القلب، وحُسن الظنِّ بالله، والإيمان بأنَّ لكلِّ إنسان نصيبه من الابتلاء، وأنَّ بعدَ العُسرِ يُسرًا، وبعدَ الضيقِ فَرَجًا.


