وقد تحوَّلت الثقافة في عهد خادم الحرمين الشَّريفين –حفظه الله– من مجرَّد نشاط معرفيِِّ محدود إلى قطاع استثماريٍّ وحيويٍّ يسهم بشكل مباشر في جودة الحياة وبناء الإنسان.
وباتت بلادنا الغالية تعيش في حِراك إبداعيٍّ زاهر، يعزِّز من بناء مجتمع حيويٍّ يعتزُّ بهويته الأصيلة، وينفتح على العالم.
وكل هذا ليس بمستغرب، فخادم الحرمين الشَّريفين –حفظه الله– عُرف بشغفه الممتد بالثقافة والأدب والإبداع، ومنذ عقود حظيت الفنونُ والعلومُ الإنسانيَّة باهتمامهِ ورعايتهِ الأبويَّة؛ لتشمل كافَّة المجالات الإبداعيَّة.
“المدينة” وعبر السطور التالية، تستعرضُ أبرز تلك المنجزات الثقافيَّة والفنيَّة في هذا العهد الميمون..
مأسسة القطاع وبناء الحواضن التنظيميَّة
شهد هذا العهدُ تحوُّلًا جذريًّا في إدارة القطاع الثقافيِّ، من خلال إنشاء كيانات تنظيميَّة متخصِّصة تبني البنية التحتيَّة للمستقبل.
فمنذ صدور الأمر الملكيِّ الكريم بتأسيس وزارة الثقافة عام 2018م، وفصلها عن وزارة الإعلام، تولَّت الوزارة قيادة وتطوير المشهد الإبداعيِّ عبر إطلاق 11 هيئةً ثقافيَّةً متخصِّصةً.
تغطِّي هذه الهيئات كافَّة قطاعات الإبداع (السِّينما، المُوسيقى، المسرح والفُنون الأدائيَّة، الفُنون البصريَّة، التَّراث، المكتبات، المتاحف، الأدب والنشر والتَّرجمة، الأزياء، وفُنون الطَّهي)؛ ممَّا يضمن التركيز والدعم المباشر والمستدام لكلِّ نمط فنيٍّ على حِدَة.
الاستثمار في الإبداع والاستدامة المالية
امتدادًا للبناء المؤسسي، جرى تأسيس الصندوق الثقافي كأداة تمكينيَّة رائدة؛ بهدف توفير الدعم المالي، والتسهيلات الائتمانيَّة للمشروعات الثقافيَّة، وتحفيز الاستثمار الخاص في قطاعات الفنون والإنتاج، وتحويل الحِراك الإبداعيِّ إلى رافد اقتصاديٍّ ومجال حيويٍّ للشراكات الاستثماريَّة.
تأسيس جامعة الرياض للفنون
صدر أمرٌ ملكيٌّ باعتماد تأسيس جامعة الرِّياض للفنون؛ لتكون جامعة متخصِّصة في مجالات الثقافة والفنون، تحت إشراف وزارة الثقافة.
ويأتي هذا الأمرُ الملكيُّ امتدادًا لما تُوليه القيادة الرَّشيدة -أيدها الله- من عنايةٍ واهتمامٍ بتطوير القطاع الثقافيِّ، وتعزيز منظومة التعليم المتخصِّص في مجالات الثقافة والفنون، بما يسهم في إعداد الكفاءات الوطنيَّة في التخصُّصات الإبداعيَّة المختلفة، وتوفير بيئة تعليميَّة متقدِّمة تُسهم في دعم الحِراك الثقافيِّ وتنمية الصناعات الثقافيَّة والإبداعيَّة في المملكة.
وتعزيزًا لما يشهده القطاعُ الثقافيُّ في وطننا الحبيب من نهضةٍ غير مسبوقة في عهد خادم الحرمين الشَّريفين، وسموِّ وليِّ عهده الأمين، أُعلن عن إنشاء مركز ثقافيٍّ سعوديٍّ في العاصمة الفرنسيَّة باريس، والذي سيشكِّل منصَّةً للتَّعريف بالثقافة السعوديَّة، وإبراز عمقها التاريخي، وتنوّعها الإبداعيِّ، من خلال تنظيم البرامج الثقافيَّة النوعيَّة، وإشراك الممارسين والمؤسَّسات والجمهور الفرنسي في مبادراته، وبإشراف وزارة الثقافة.
منارات الأدب والمبادرات الأكاديميَّة
حظيت اللُّغةُ العربيَّة والإنتاجُ الأدبيُّ بدعم من خادم الحرمين الشَّريفين؛ لترسيخ الهُويَّة الوطنيَّة، ومكانة المملكة الفكريَّة عالميًّا ممثلًا في:
* مجمع الملك سلمان العالمي للُّغة العربيَّة: محطَة بارزة لتعزيز دور لغة الضاد إقليميًّا ودوليًّا.
* برنامج الابتعاث الثقافي: أول برنامج فريد من نوعه لابتعاث الطلاب والطالبات السعوديِّين للدِّراسة وتأهيل جيل يقود الصناعات الإبداعيَّة.
* توثيق الذاكرة الفكريَّة: مبادرات طموحة لتأريخ الذاكرة الجمعيَّة للمجتمع، عبر إصدارات وموسوعات سنويَّة، وبدعم سخيٍّ.
الموسيقى والفنون الأدائيَّة
* الموسيقى: جرى تدشين مراكز متخصصة للموسيقى، وتأسيس أول جمعيَّة مهنيَّة للموسيقى، بجانب تنظيم مهرجانات موسيقيَّة كبرى.
* في قطاع المسرح، تم تفعيل دور المسرح السعودي عبر إنتاج عروض مسرحيَّة وأوبراليَّة محليَّة، ورعاية الفنون الشعبيَّة وتطويرها.
الفنون البصريَّة والمتاحف المفتوحة
انفتحت الحركة الفنيَّة السعوديَّة على الفنون العالميَّة المعاصرة بالتوازي مع إعادة إحياء الفنون المحليَّة وتطويرها، وتحوَّلت المدن السعوديَّة إلى حواضن للفن المعاصر من خلال مبادرات عالميَّة مثل بينالي الدرعيَّة للفن المعاصر، وبينالي الفن الإسلامي في جدَّة للاحتفاء بالإرث الفنيِّ الإسلاميِّ العريق بأسلوب معاصر، بالإضافة إلى مشروع الرِّياض آرت.
صون الهُويَّة والتُّراث
في عهد خادم الحرمين الشَّريفين، استأثر التراثُ الوطنيُّ برعايةٍ واهتمامٍ استثنائيَّين؛ انطلاقًا من شغف الملك سلمان التاريخي، وقراءته العميقة للمرتكزات الثقافيَّة لبلادنا، وكانت النتيجة:
* نجحت المملكة في إدراج العديد من مواقعها الأثريَّة التاريخيَّة ضمن قائمة التراث العالميِّ في منظمة «اليونسكو» العالميَّة، ومن أبرزها: (جدَّة التاريخيَّة، حي الطريف بالدرعيَّة، موقع الحِجر في العُلا، الفنون الصخريَّة في منطقة حائل، وواحة الأحساء، ومنطقة حِمى الثقافيَّة بنجران).
* ونجحت المملكة في تسجيل أكثر من 18 عنصرًا من عناصر تراثها الحيِّ في قائمة اليونسكو للتراث الثقافيِّ غير الماديِّ: مثل (العَرضَة السعوديَّة، والقط العسيري، وحياكة السَّدو، والقهوة السعوديَّة، وغيرها)؛ لحمايتها وتوريثها للأجيال.
* إطلاق مشروعات تطويريَّة عملاقة ومستدامة، أبرزها مشروع «إعادة إحياء جدة التاريخية»، ومخطط «رحلة عبر الزمن» في العُلا، لتتحوَّل هذه المواقع إلى منارات سياحيَّة وثقافيَّة عالميَّة، تجمع بين عراقة الماضي وأدوات المستقبل.
قفزات تاريخيَّة في صناعة السينما والأفلام
شهد قطاعُ السينما نموًّا استثنائيًّا حوَّل المملكة إلى واحدة من أسرع الأسواق السينمائيَّة نموًّا في العالم:
* منذ أُعيد افتتاح دُور السينما التجارية في المملكة بعد عقودٍ من الإغلاق، وانطلاق أوَّل دار عرض في العاصمة الرِّياض عام 2018م، توسَّعت الشاشات لتصل إلى أكثر من 66 دارًا، تضم ما يفوق 600 شاشة عرض موزَّعة على 22 مدينةً بالمملكة، فيما تجاوزت إيرادات شباك التذاكر الإجماليَّة حاجز 4 مليارات ريال.
* رفعت هيئة الأفلام نسبة الحوافز وبرامج الاسترداد الماليِّ إلى 60%؛ لتمكين المنتجين المحليِّين واستقطاب كبرى الأفلام العالميَّة للتصوير داخل المملكة.
* حضور مشرِّف للأفلام السعوديَّة في المهرجانات الإقليميَّة والدوليَّة؛ حيث حصدت جوائز معتبرة، وظهرت أعمال مميَّزة تركت بصمتها عالميًّا مثل فيلم «مندوب الليل» وغيره من الإنتاجات الوطنيَّة الرائدة.
* تأسيس مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي بجدة؛ ليكون منصَّة عالميَّة لعرض وصناعة السينما العربيَّة والدوليَّة.


