Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

معـــادلات

A A
بعض المعادلات جميلةٌ جدًّا؛ لأنَّها تلخِّص الأفكار الصَّعبة في لُغة ذكيَّة «قليلة الدَّسم»، وعظيمة المعنى. كأنَّها قصصٌ، أو «حواديت» ذكيَّة، توصِّل لك المعنى بكفاءة مذهلة. ولكن هناك معادلات صعبٌ علينا أنْ نتقبَّلها؛ بسبب قسوتها غير المتوقَّعة، ونجد معظمها في الحروب. خلال الحرب العالميَّة الأولى سطع نجم عالم الكيمياء الألماني فريتز هابر، الذي اخترع أحد أعظم الاختراعات، وهو استخراج الأمونيا من الهواء لتصنيع السَّماد الصِّناعي. وساهم هذا الاختراع في توفير الغذاء -بمشيئة الله- لأكثر من نصف البشريَّة؛ بسبب رفع فعاليَّة الزراعة. ولكنَّ البروفسور هابر طوَّر -أيضًا- آلية استخدام الغازات السَّامة في ساحات القتال. وتحديدًا استخدام غازات الكلور، والبروم، والفوسجين، والخردل، وما هو أشد منهم لقتل جنود الإنجليز والفرنسيِّين، بدءًا من معارك إيبرة الدمويَّة البلجيكيَّة، بدءًا من أكتوبر 1914. وكان هذا السلاحُ فتَّاكًا؛ لدرجة أنَّ القوانين الدوليَّة حرَّمت استخدامه، وبالذَّات في إعلان لاهاي عام 1899، ثمَّ بروتوكول جنيف عام 1925، ثمَّ اتفاقيَّة الأسلحة الكيميائيَّة عام 1993. ووضع العالم الألماني فريتز معادلة قتل تربط بين نوع الغاز وتركيزه، ومدَّة التعرُّض له، وحالة الطقس شاملة درجة الحرارة والرطوبة، ومقدار الضغط، وسرعة واتجاه الرياح. تخيَّل عنف هذه المعادلات الخبيثة، التي تربط مجموعة مدخلات لتكون المخرجات عبارةً عن قتلى.
ومن الأمثلة التطبيقيَّة لهذا المبدأ، نجد حسابات العبقريِّ الأمريكيِّ المجريِّ الأصل «فون نويمان» الذي عمل ضمن فريق عباقرة الفيزياء لتصميم وتصنيع أوَّل قنبلة نوويَّة. وضع معادلة لتعظيم تفجير القنبلة فوق هيروشيما، وحدد الارتفاع الأمثل لتفجيرها، فكان 1968 قدمًا فوق سطح الأرض، بدلًا من أنْ تنفجر عندما ترتطم بالأرض. معادلة قتل ذكيَّة ولكنَّها شريرةٌ وقاسيةٌ.
وننتقل إلى حرب فيتنام، في مطلع الستينيَّات، واستلام أحد عباقرة الولايات المتحدة، وهو روبرت مكنامارا لوزارة الدفاع. كان من أصغر رؤساء شركة فورد، وقبلها كان أصغر الأستاذة في كلية الأعمال في جامعة هارفارد. وكان خبيرًا في الإدارة الكميَّة، ومن أوائل مَن طبَّق مبدأ «ما لا تستطيع قياسه، فلن تستطيع إدارته». حول مكانمارا وزارة الدفاع إلى فلسفة عالم القياس، علمًا بأنَّ بعض الأمور لا تقبل التحوُّل لأرقام. ولكن كما يقول المثلُ المصريُّ الجميلُ «المُخرج عاوز كِدَه» فتمَّ جبرُ العديد من الأهداف لمجموعات من المعادلات. من الجوانب المزعجة في الموضوع أنَّ إحدى المخرجات الأساسيَّة كانت عدد القتلى من المحاربين الفيتناميِّين. واشتهرت تلك الفترة بتطبيق معادلات الدمار، علمًا بأنَّ بعضها كانت لاسترضاء وزير الدفاع بحبِّه للأرقام.
أمنيـــــة
يبدو أنَّ هناك معادلات قتل ودمار وحشيَّة تُطبَّق في الصِّراعات المسلَّحة اليوم. وهي لا تقلُّ قسوةً عمَّا ذُكر أعلاه؛ بسبب استهداف المدنيِّين ضمن مؤشِّرات الأداء الرئيسة لمخرجات النِّزاعات المسلَّحة حول العالم. الغالب أنَّها تطبَّق في السودان الشَّقيق، وفي أوكرانيا، ولكن فوق كلِّ هذا ستجدها في غزَّة الغالية، حيث تمَّ استهداف المدنيِّين بطرقٍ بشعةٍ جدًّا. أتمنَّى أنْ يراجع العالمُ ضميرَه فيما يخصُّ قتل الأبرياء، وأنْ يتم الإعلانُ عن أكثر البلدان التي تطبِّق تلك المعادلات الدمويَّة بشكل واضح للجميع. واللهُ الهادي إلى سواءِ السبيل، وهُو من وراءِ القَصدِ.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store