اعتذرت عن تقديم الإحاطة المطوّلة التي اعتدت أن أشارك بها حول تطورات الأحداث في منطقة الشرق الأوسط، في مجلس معالي الوزير السفير الدكتور عبدالعزيز خوجه، بجدة، إذ لم يكن صوتي قد استعاد عافيته كاملة بعد. اكتفيت بملخص موجز، فبادرني، بعاطفته المعهودة، أن أرفق بنفسي، وأن أجعل صحتي أولوية قبل أي التزام آخر.
كنت قد عدت مساء الخميس من سفر، لكنني حرصت بعد صلاة الجمعة على ألا أفوّت مجلس العلم والثقافة الذي يجمع نخبة من المثقفين والمتخصصين في شتى المجالات. وفيه تمتزج السياسة بالتاريخ، والأدب بالشعر، والفن بالفكر، بينما يدير الدكتور عبدالعزيز خوجه الحوار بحكمة وهدوء، مستفيدًا من خبرات الحاضرين، ومن بينهم أحيانًا مثقفون ودبلوماسيون عرب وأجانب يزورون جدة.
وتُعد المجالس الثقافية في جدة امتدادًا لتقليد اجتماعي وثقافي عريق تشترك فيه مدن السعودية ودول الخليج، ولا سيما الكويت. فهي ليست مجرد لقاءات اجتماعية، بل فضاءات للحوار وتبادل الرأي والمعرفة، تُعقد في أيام محددة من الأسبوع، ولكل مجلس شخصيته ورواده واهتماماته، بينما تستمر قلة منها بصورة شبه يومية.
يدير صاحب المجلس الحوار، ويمنح الجميع فرصة التعبير عن آرائهم مهما اختلفت وجهات النظر. ويجري النقاش في الغالب بهدوء واحترام، بعيدًا عن الانفعال والتعصب. وقد يختتم اللقاء بمائدة غداء أو عشاء، وقد يكتفي المضيف بما يُقدَّم من القهوة والشاي وبعض الضيافة الخفيفة، وتوزع بين الحين والآخر كتب يهديها أصحابها إلى الحاضرين. ويبقى المقصود الأول هو الاجتماع وتبادل المعرفة.
وتتميز جلّ هذه المجالس بمرونة لافتة؛ فلا ساعة صارمة للحضور أو الانصراف. فقد يبدأ المجلس بعد صلاة العشاء ويستمر حتى منتصف الليل، أو يبدأ بعد صلاة الجمعة ويمتد إلى ما قبل صلاة العصر. يأتي الضيوف ويغادرون في أوقات متفاوتة، كلٌّ بحسب ظروفه، دون حرج أو عتب.
ولا يوجد التزام بالحضور كذلك. فقد تواظب على مجلس طوال أسابيع، ثم تنقطع عنه فترة بسبب العمل أو السفر أو ظروف الحياة، بينما يحرص بعض الرواد على الحضور الدائم، فلا يغيبون إلا نادرًا.
ومن المجالس ما يقتصر على الأصدقاء أو رفاق الاهتمام المشترك، ومنها ما يفتح أبوابه لحضور أوسع. وبعضها يخصص لقاءاته لموضوع أو مجال بعينه، فيما يترك بعضها الآخر الحوار مفتوحًا لما يطرحه الحاضرون من قضايا وأفكار.
أما المشاركة في الحوار فتختلف من شخص إلى آخر. فهناك من يتصدر النقاش بما لديه من علم وخبرة وقدرة على التحليل، وهناك من يفضل الإصغاء أكثر من الحديث، لا لافتقاره إلى المعرفة، وإنما لطبيعته الهادئة أو لاعتقاده أن الاستماع أكثر فائدة. وكثيرًا ما كان بين أكثر الحاضرين صمتًا أصحاب علم وتجربة عميقة، يختارون كلماتهم بعناية، أو يكتفون بالإنصات.
وأذكر أنه كانت لكل يوم وجهته؛ فهناك سبتية الدكتور عبدالله مناع، وأحدية الدكتور أنور عشقي، واثنينية عبدالمقصود خوجه، وثالوثية محمد سعيد طيب، وأربعائية كنت أستضيفها، وخميسية محمد عمر العامودي، وأسبوعية عبدالمحسن القحطاني.
أما يوم الجمعة، فكانت الخيارات تتعدد بين مجلس الدكتور عبدالعزيز خوجه، وإبراهيم السبيعي، وعبدالرحمن فقيه. وأحيانًا كان بالإمكان الجمع بين أكثر من مجلس؛ فتبدأ بفنجان قهوة عند السبيعي، ثم تلتحق بمجلس الخوجه، وتختم المساء في مجلس عبدالله بقشان.
كانت تلك المجالس مدارس مفتوحة، تعلمت فيها بقدر ما تحدثت، واستفدت فيها بقدر ما شاركت. ولم تكن قيمتها في المعلومات التي تُقال فحسب، بل في اللقاء بعقول راجحة، وخبرات تراكمت عبر عقود، وصداقات نسجها الحوار والاحترام المتبادل.
واليوم، بعد أن بلغت من العمر ما بلغت، أصبحت هذه المجالس تحمل عندي معنى مختلفًا. لم تعد مجرد لقاءات أسبوعية أتبادل فيها الرأي وأتابع الأخبار، بل أصبحت تذكيرًا بقيمة الصحبة الصالحة، وأهمية الحوار، وبأن الإنسان يحتاج إلى غذاء للعقل والروح كما يحتاج إلى الطعام للجسد. وربما لهذا أحرص على حضورها كلما سنحت الفرصة؛ فهي تمنحني طاقة لا تُقاس بالتغذية الصحية والمكملات الغذائية، وإنما بما تتركه من أثر عميق في النفس، وأفق رحب للعقل، ومساحة للتواصل مع خيرة الناس.
ولذلك أتمنى أن تجد هذه المجالس، بتنوعها وثراء تجربتها وامتداد تاريخها، في جدة وفي سائر مدن ومناطق السعودية، من يبحث فيها ويعرّف بها ويوثق سيرتها وروادها وما دار فيها من أفكار وحوارات. فكم من قصة لم تُكتب، وكم من رأي أسهم في تشكيل وعي جيل ولم يُسجَّل، وكم من شخصية تركت أثرها في مجلس ثم مضت وبقيت ذكراها في صدور من عرفوها.
إن توثيق هذه المجالس ليس حنينًا إلى الماضي، بل حفظٌ لجزء من الذاكرة الثقافية والاجتماعية لبلادنا. فالمجالس التي جمعت الأجيال، وقرّبت بين أصحاب الفكر والخبرة، وعلّمت الاختلاف بأدب والحوار باحترام، تستحق ألا تبقى حكايات شفوية تتناقص برحيل أصحابها. إنها صفحات من تاريخ المجتمع، وحفظها اليوم أمانة للغد.
@kbatarfi


