لم تعد الدبلوماسية في عالم اليوم مجرد تفاوض بين الحكومات، أو تبادل للرسائل والمواقف عبر القنوات الرسمية، فقد أصبحت الدول تخاطب شعوب العالم بصورة مباشرة، وتتنافس على كسب الفهم والثقة والتأييد، إلى جانب تنافسها على المصالح والنفوذ. وفي هذا المشهد المتسارع، تكتسب اللغة أهمية تتجاوز كونها وسيلة للتواصل، لأنها الأداة التي تُصاغ بها الرسائل، وتُعبّر من خلالها الدول عن سياساتها وثقافاتها وقيمها، وتبني بها صورتها لدى الآخرين.
لكن ماذا يحدث عندما تَعبُر هذه الرسائل حدود اللغة والثقافة؟، هنا تبدأ الأهمية الحقيقية للترجمة.. فالترجمة في العمل الدبلوماسي لا تعني مجرد نقل الكلمات من لغة إلى أخرى، وإنما نقل المعنى والسياق والنبرة والدلالات الثقافية، بما يضمن أن تصل الرسالة إلى الطرف الآخر بالمعنى الذي أُريد لها أن تصل به. وقد يكون الفرق بين الترجمة الجيدة والترجمة التي تكتفي بالنقل الحرفي؛ هو الفرق بين رسالة تُحقِّق غايتها، وأخرى تفتح الأبواب لسوء الفهم.. فالمترجم في المجال الدبلوماسي لا يترجم لغة فحسب، بل يترجم بين ثقافتين وعالمين من المعاني.
من هنا أجد أن اهتمام وزارة الخارجية باليوم العالمي للترجمة، وتنظيمها ملتقى «الترجمة وأثرها في الدبلوماسية والتمثيل الدولي»، خطوة تستحق الثناء والتقدير، لأنها تضع الترجمة في سياقها الأوسع باعتبارها أحد مكونات العمل الدبلوماسي، وليس مجرد وظيفة مساندة تعمل خلف الكواليس.. وقد سعدت بدعوة الوزارة للمشاركة في الملتقى، والحديث في محور «الترجمة كأداة قوة ناعمة: كيف تؤثر اللغة في العلاقات الدولية؟»، وهو عنوان يفتح الباب أمام أسئلة هامة تتجاوز حدود المهنة؛ إلى جوهر الدبلوماسية العامة، المتمثل في الاتصال بين الدول والشعوب.
ولعل الأهم في رأيي، هو النظر للترجمة كجزء من صناعة الرسالة نفسها. فالترجمة لا ينبغي أن تكون الحلقة الأخيرة بعد اكتمال الرسالة، وإنما ينبغي أن تدخل منذ المراحل الأولى من تصميمها. فحين نخاطب جمهورًا مختلف اللغة والثقافة، علينا أن نسأل منذ البداية: كيف سيفهم رسالتنا؟ وما المحاذير التي قد تحمل دلالات مختلفة يمكن أن تسبب حساسيات ثقافية؟، عندها تصبح الترجمة شريكًا في صناعة الرسالة، لا مجرد ناقل لها.
وفي عالم ألغت فيه تكنولوجيا الاتصال الحدود الجغرافية، ينبغي إدراك أن رسالة واحدة قد تُفهم إيجابيًا في مجتمع، وسلبيًا في آخر. ومن هنا تبرز أهمية أن تُصاغ الرسالة، منذ البداية، بنظرة شاملة، ووعي بالسياقات المختلفة، وأن تُترجم بما يحفظ معناها لدى المتلقِّي المستهدف، وغير المستهدف أيضاً.
وهذا يفرض بدوره مفهومًا أكثر تخصصًا للمترجم الدبلوماسي، فإجادة اللغة رغم أهميتها، لا تكفي وحدها. إذ يحتاج المترجم إلى فهم العمل الدبلوماسي وسياقاته، ومتابعة الأحداث الدولية، والإلمام بمواقف وتوجّهات دولته، وامتلاك ثقافة واسعة متنوعة وعميقة. ومع التحولات المتسارعة في تكنولوجيا الاتصال والذكاء الاصطناعي، يصبح التدريب المستمر ضرورة، ليس فقط لإتقان الأدوات الجديدة، وإنما للحفاظ على تلك القدرات الإنسانية اللازمة لترجمة المعنى لا الكلمات فقط.
ففي عالم تتنافس فيه الدول على الحضور وتعزيز الصورة والتأثير، لا يكفي أن تكون لدينا رسالة جيدة، بل الأهم أن نمتلك القدرة على إيصالها، وجعلها مفهومة ومؤثرة إيجاباً.. وهنا تصبح الترجمة الاحترافية جزءًا من صناعة القوة الناعمة منذ بدايتها، لا مجرد مرحلة لاحقة تأتي في نهايتها.. فإذا كانت القوة الناعمة تقوم على الجاذبية والإقناع، فإن الترجمة هي الجسر الذي يجعل هذه الجاذبية قابلة للعبور بسلام بين اللغات والثقافات.


