تظهر التَّصنيفات الجامعيَّة كل عام، فتتبدَّل الأرقامُ وتبدأ الاحتفالاتُ: جامعة تقدَّمت عشرة مراكز، وأُخْرى دخلت قائمة الخمسمئة، وثالثة أصبحت ضمن أفضل ثمانمئة جامعة في العالم. لكنْ ماذا يعني ذلك فعلًا؟ وهل أصبح الرقمُ شهادةَ جودةٍ، أم تحوَّل إلى غايةٍ إداريَّةٍ ومادةٍ إعلانيَّةٍ؟ وهل يعرفُ الطالبُ أصلًا معنى هذا الرَّقم؟
الجامعاتُ التي تحتلُّ المئة، أو المئتين الأُولى، تكادُ تكونُ معروفةً قبل صدور القوائم. قد تتبادل المواقع، وتتقدَّم في تصنيفٍ، وتتراجع في آخرَ، لكنَّها تبقى في الدائرة نفسها؛ لأنَّ لديها تاريخًا علميًّا، وتمويلًا قويًّا، وباحثِينَ مؤثِّرِينَ، وبيئةً تجذبُ الطلبة والأساتذة من أنحاء العالم. فهل أضاف التَّصنيفُ إلى قوَّتها، أم اكتفى بقياس جزءٍ منها؟
السؤال الأهم يبدأ بعد ذلك: ماذا استفادت جامعة جاءت في المرتبة ٤٠٠، أو ٦٠٠، أو ٩٠٠؟
هل تحسن تعليمها فعلًا؟
هل أصبح خرِّيجوها أكثر قدرة؟
هل حلَّت مشكلة في مدينتها، أو صنعت معرفة تحتاجها بلادها، أم أنَّ النجاح اقتصر على انتقال شعارها من شريحةٍ إلى أُخْرى في عرضِ العلاقات العامَّة؟
ولماذا تتعاملُ بعض الجامعات مع ترتيبها، كما لو كان حكمًا نهائيًّا؟ مع أنَّ النتيجة تتغيَّر بتغيُّر الأوزانِ والمعايير! فإذا كان تصنيفٌ يرفع جامعةً؛ بسبب الاستشهاداتِ العلميَّة، وآخرُ يمنح السمعةَ وزنًا أكبرَ، وثالثٌ يهتمُّ بالتدويلِ أو الصناعةِ، فأيُّ رقم منها يمثِّل الحقيقة؟ وهل يمكن أصلًا اختزال جامعة كاملة، برسالتها وطلابها ومجتمعها، في رقمٍ واحدٍ؟
الأكثرُ إثارةً أنَّ جامعة السوربون أعلنت وقف تزويد تصنيف «تايمز للتَّعليم العالي» بالبيانات، ابتداءً من عام ٢٠٢٦، منتقدةً غياب الشفافيَّة، وعجز المؤشِّرات المجمَّعة عن تمثيل تنوُّع وظائف الجامعة. ولم تعلن السوربون خروجها من العلم، أو تنازلها عن التميُّز؛ بل قالت، عمليًّا، إنَّ التصنيف يصلحُ أداةً للتواصل، لا بوصلةً لقيادة الجامعة. فهل تجرؤ جامعةٌ في المرتبة ٧٠٠ على اتِّخاذ الموقف نفسه؟ أم أنَّها تحتاج التَّصنيف أكثر ممََّا يحتاجها؟
المشكلة ليست في أنْ تدخلَ الجامعةُ التَّصنيفَ، بل في أنْ يدخلَ التَّصنيفُ إلى عقلِها الإداريِّ، فيُعيد ترتيب أولويَّاتها: ما يرفع الرقمُ يُدعَم، وما لا تقيسه القائمةُ يُهمَل. عندها قد تكسب الجامعةُ عشرين مرتبةً، لكنَّها تخسرُ رسالتها.
فهل نريد جامعةً تبدُو جيدةً في الجداول، أم جامعة تكون جيِّدةً في الواقع؟ وهل الأفضل أنْ تسأل: ما ترتيبنا؟ أم أنْ تسأل أوَّلًا: ما الذي تغيَّر في طلابنا، وبحثنا، ومجتمعنا؟
بتصنيف أو بدون تصنيف.. الجامعة الحقيقية لا يصنعها رقم، لكن قد يكشف الرقم أنَّها نسيت لماذا وُجدت.


