يمثِّل اليومُ الوطنيُّ للمملكةِ مناسبةً وطنيَّةً نستحضرُ فيها مسيرةَ توحيدِ الوطن، وبناء نهضتِهِ، لا سيَّما في قطاع التعليم، حيث تضطلع الوزارةُ بدورٍ محوريٍّ في تعزيز قيم الانتماء والمواطنة لدى الطلاب والطالبات، من خلال البيئة التعليميَّة، والمناهج، والبرامج، والأنشطة التربويَّة.
ومن خلال هذه الجهود يسهم التعليم في بناء جيلٍ واعٍ بتاريخ وطنهِ، معتزٍّ بهويتهِ مدركٍ لمسؤوليَّاته وقادرٍ على الإسهام بإيجابيَّة في مسيرة التَّنمية وصناعة مستقبل المملكة.
بناء جيل بثقة واقتدارفي البداية تحدَّث الدكتور أحمد عيسى الهلالي بجامعة الطائف قائلً:ا في المسارات الحضاريَّة للأُمم، تُقَاس المناهج التعليميَّة بحجم المعارف التي تقدِّمها للناشئة، وبقدرتها على صياغة الوجدان الجمعيِّ، وترسيخ الركائز التي تمنح الأجيال استقرارهم الفكريَّ واعتزازهم الحضاريَّ، ومن هذا المنطلق يبرز التحوُّل النوعيُّ الذي تشهده المناهج الدراسيَّة الحديثة، فتجاوزت المقررات كونها سردًا تاريخيًّا جغرافيًّا صامتًا، لتصبح منبعًا حيًّا يُعنى بتشكيل الوعي التاريخيِّ والسياسيِّ، وفي السياق نفسه، يأتي إدخال الرموز الوطنيَّة، وتضحيات الأجداد في المحتوى التعليميِّ مادةً ثريَّةً، تمنح المفهوم الوطنيَّ أبعادًا ملموسةً.
ويتجلَّى الرِّهان الحقيقيُّ للمناهج المعاصرة في الربط المُحكم بين هذه المفاهيم، وبين مواد المهارات الحياتيَّة والتربية الأسريَّة والشخصيَّة، فتتأكَّد حقيقة أنَّ الهويَّة تتجسَّد في منظومة ممارسات، وحس مسؤول.
وأضاف: إنَّ المناهج التعليميَّة اليوم تجاوزت الاكتفاء بتقديم المعرفة إلى بناء «الذاكرة الوطنيَّة» وحمايتها، وهي بذلك تبني جيلًا يعي جذوره الأصيلة، وينطلق نحو الآفاق العالميَّة بثقة واقتدار، وهذه الذكرى الغالية تأتي في خضم مواجهةٍ كُبرى مع قوى البغي والغدر، لكن ثقتنا في قيادتنا عظيمة وراسخة، وثقتهم في مواطنيهم عميقة، وعلى هذا الأساس المتين، تحطَّمت كلُّ محاولات الكيد.
ترسيخ روح الانتماءكما تحدَّث الشيخ الدكتور أحمد سعد الطيار قائلًا: إنَّ المتأمِّل في جهود وزارة التعليم في ترسيخ روح الانتماء لدى الطلاب، يدرك أنَّها تجاوزت مرحلة الشِّعارات إلى مرحلة العمل الميدانيِّ المنظَّم، فلم يعد الانتماء قيمةً نظريَّةً تُحفظ في الكُتب، بل أصبح ممارسةً يوميَّةً يعيشها الطالبُ داخل مدرسته، وقد ترجمت الوزارة هذا التوجُّه من خلال حزمة من البرامج المركزيَّة التي تمثِّل العمود الفقريَّ لعملها في هذا المجال، فجاء برنامج اعتلاء لتعزيز الانتماء الوطنيِّ؛ ليكون الإطار الجامع، ثمَّ جاءت مبادرة المواطنة المسؤولة؛ لتُحدِث نقلةً نوعيَّةً في المفهوم ذاته، حيث ربطت الوزارة الانتماء بالعطاء، وبالعمل التطوعيِّ.
وفي ذات السياق نظَّمت الوزارة الاحتفاء بالمناسبات الوطنيَّة كاليوم الوطني، ويوم التأسيس، ويوم العَلَم، وفق دليلٍ إجرائيٍّ موحَّدٍ يضمنُ أنْ تتحوَّل هذه المناسبات من مجرَّد احتفالات شكليَّة إلى دروس تربويَّة عميقة، يتعرَّف فيها الطالب على قصَّة علمه، وتاريخ تأسيس دولته.
ولم تغفل الوزارة دور الأنشطة الطلابيَّة الفاعلة، فتوسَّعت في برامج الكشافة المدرسيَّة، والبرلمان الطلابيِّ باعتبارهما مصنعًا حقيقيًّا للانتماء.
بناء شخصية الطالبفيما تحدَّثت الدكتورة سميرة بنت ضيف الله الكناني الزهراني، مساعد رئيس قسم المرحلة الثانويَّة بإدارة التعليم بالطائف قائلة: ينطلق مفهوم الانتماء الوطنيِّ في فلسفة التعليم من بناء شخصيَّة الطالب، على أساس الاعتزاز بالدِّين والهُويَّة الوطنيَّة، والولاء للقيادة، والشُّعور بالمسؤوليَّة تجاه الوطن والمجتمع.
ولا يُنظر إلى الانتماء بوصفه معرفةً نظريَّةً بالمناسبات والرموز الوطنيَّة فحسب، بل باعتباره منظومةً من القيم والسلوكيَّات التي تتحوَّل إلى ممارسة يوميَّة؛ كالمسؤوليَّة، والاعتدال، والتسامح، والإتقان، والمحافظة على الممتلكات العامَّة، والمشاركة الإيجابيَّة في تنمية المجتمع.
وأكَّدت وزارة التعليم أنَّ ترسيخ المواطنة، وتعزيز الهُويَّة الوطنيَّة، وإبراز الشخصيَّة السعوديَّة يمثِّل جانبًا أصيلًا في تطوير المناهج والمنظومة التعليميَّة.
وفي هذا السياق، عملت الوزارة على تضمين القِيم الوطنيَّة في المناهج والمقرَّرات الدراسيَّة، وتطوير مجالات الدِّراسات الاجتماعيَّة والمواطنة، وإتاحة الأنشطة والمبادرات التي تعزِّز وعي الطلبة بتاريخ المملكة، ومنجزاتها، وشخصيَّاتها الوطنيَّة.
كما أسهمت برامج الوعي الفكريِّ، والأنشطة المدرسيَّة، والشراكة مع الأسرة والمجتمع في تحويل القيم من مفاهيم مجرَّدة إلى ممارسات تربويَّة وسلوكيَّة، تعزِّز لدى الطالب الشعور بالمسؤوليَّة والانتماء والمشاركة الإيجابيَّة.
صناعة الوعيمن جهته، أوضح المستشار الإعلامي محمد سعيد الزهراني، أنَّ تنمية رُوح الانتماء لم تعد مجرَّد «درس يُشرَح» أو «نشاط يُقام»، بل هي صناعة وعي، وبناء هُويَّة، مشيرًا أنَّ المسؤوليَّة باتت مضاعفة في عالم مفتوح ورقميٍّ، يتنافس على عقول الشباب.
وأكَّد أنَّ الفصل الدراسيَّ هو خط الدفاع الأوَّل، سواء في تنمية الأفكار البناءة المعتدلة، ومواكبة المتغيِّرات السريعة، أو في جانب تنمية روح الانتماء، فالمعلم باستطاعته، وبأسلوب تربويٍّ أنْ يعزِّز روح الانتماء الوطنيِّ، من خلال دروسه (أيًّا كان تخصُّصه)، وهذه مهارة يجب على إدارة المدرسة والتعليم والوزارة كذلك، الالتفات لها، وتشجيعها، والتحفيز لها، والواضح أنَّ وزارة التعليم حريصةٌ على تنمية رُوح الوطنيَّة، من خلال المناسبات الوطنيَّة، وزيادة الحملات الاعلاميَّة، والتَّوجيه بالاحتفاء بها داخل الفصل، ومن خلال الأنشطة الطلابيَّة.
وخلص إلى أنَّ الوطن ليس حديثًا بين شخصين، أو شعاراتٍ تُرفع، وطننا هو قضيتُنا وروحُنا، وماضينَا ومستقبلُنا، يجبُ أنْ نعيشه، ونستشعر به.