أكَّد عددٌ من الأكاديميِّين والخبراء المتخصِّصين في الرقميَّات والتقنية، أنَّ ذكرى اليوم الوطنيِّ، هذا العام تأتي في الوقت الذي تشهد فيه المملكةُ تحوُّلات رقميَّة متسارعة غير مسبوقةٍ؛ ممَّا جعلها تتبوأ مراكز قياديَّة إقليميًّا وعالميًّا في مجالات الحكومة الرقميَّة، وتطوير الخدمات الإلكترونيَّة، وبناء القدرات التقنية.
ونوَّهُوا بتقدُّم المملكة في مؤشِّرات الجاهزيَّة الرقميَّة عالميًّا وتطوير الخدمات فى اطار مؤسسي شامل .
تحوُّل مؤسسي شامل
بداية يقول د. عبدالوهاب علي المزروعي، عميد كليَّة علوم وهندسة الحاسب، بجامعة جدَّة: تمثِّل ذكرى اليوم الوطني، مناسبةً نستحضرُ فيها مسيرةً حافلةً بالإنجازاتِ، والتحوُّلات النوعيَّة التي شهدتها المملكة في مختلف المجالات، وفي ظلِّ الرُّؤية الطَّموحة لصاحبِ السموِّ الملكيِّ الأميرِ محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وفي مقدِّمتها التحوُّل الرقميُّ، وتطويرُ الخدمات الحكوميَّة، شهدنا تطوُّرًا كبيرًا في مفهوم الخدمات الحكوميَّة الرقميَّة؛ فلم يعد المستفيد مرتبطًا بمكان، أو بإجراءات طويلة للحصول على الخدمة، بل أصبحت العديدُ من الخدمات متاحةً عبر منصَّات رقميَّة مترابطة، تتميَّز بالسرعة والسهولة والموثوقيَّة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على جودة الحياة، وكفاءة العمل الحكوميِّ.
وما يميِّز التجربة السعوديَّة أنَّ التحوُّل الرقمي لم يكن مجرَّد تطوير للأدوات والأنظمة، بل جاء ضمن تحوُّل مؤسسي شامل، يقوم على توظيف التقنية والبيانات لرفع كفاءة الأداء، وتحسين تجربة المستفيد، وتعزيز التكامل بين الجهات.
ويبرز دور الجامعات، وكليَّات الحاسب على وجه الخصوص، في دعم استدامة هذا التحوُّل الرقميِّ، من خلال إعداد الكفاءات الوطنيَّة المؤهَّلة، وتطوير البرامج الأكاديميَّة بما يواكب احتياجات المستقبل.
تعزيز المستقبل الرقمي
أمَّا د. تركي مسفر الحرملي، مشرف مركز التعليم الإلكترونيِّ بجامعة جازان، وعضو اللجنة الدائمة لقياس التحوُّل الرقميِّ، فيقول في قلب هذه المسيرة يبرز التحوُّل الرقميُّ بوصفه واحدًا من أكثر المنجزات حضورًا في الحياة اليوميَّة للمواطن والمُقيم.
ويشير أنَّ المتابع يستطيع ملاحظة هذا التحوُّل في تفاصيل يومه، فخدمات كانت تتطلَّب الحضور، والانتظار، وتعدُّد المستندات، أصبحت تُنجز عبر الهاتف في وقتٍ وجيزٍ، منوِّهًا بأنَّ منصَّة (أبشر) قدَّمت نموذجًا واضحًا لهذا الانتقال، فيما برهن تطبيق (توكلنا) على قدرة البنية الرقميَّة الوطنيَّة على الاستجابة السريعة للظروف الاستثنائيَّة، كما عزَّز (النفاذ الوطني الموحَّد) سهولة الوصول الآمن إلى منصَّات متعدِّدة بهويَّة رقميَّة موثوقة، وأصبحت الخدمات الصحيَّة والعدليَّة والبلديَّة والتعليميَّة والتجاريَّة أقربَ إلى المستفيد من أيِّ وقت مضى.
وساعدت البياناتُ المحدثة صنَّاع القرار على فهم الاحتياجات، وتوجيه الموارد بصورة أدق، كما وفَّرت الخدمات الرقميَّة الوقت والجهد، ووسَّعت فرص الوصول إليها في المدن والمحافظات والمراكز البعيدة.
وفي هذه الذكرى، نفخرُ بقيادةٍ جعلت طموح الوطن عملًا ملموسًا، لمستقبل رقميٍّ أكثر ابتكارًا وكفاءةً واستدامةً.
عصر الذكاء الاصطناعي
أمَّا د. إلهام بنت عبدالله الغامدي، وكيلة كليَّة علوم وهندسة الحاسب للبحث والابتكار، بجامعة جدَّة، فتشير إلى أنَّه مع إطلاق رُؤية المملكة 2030، لم يعد التحوُّل الرقميُّ يقتصر على تحويل الخدمة من ورقيَّة إلى إلكترونيَّة، بل أصبح تحوُّلًا متكاملًا في طريقة تصميم الخدمات، وإدارتها، وتقديمها، ونرى أنَّ أحد أهم عناصر نجاح هذه المسيرة، هو أنَّ المملكة لم تستثمر في التقنية وحدها، بل استثمرت بالتوازي في الإنسان، والبحث، والابتكار.
واليوم ندخلُ مرحلةً جديدةً تتجاوز التحوُّل الرقميَّ إلى التحوُّل الذكيِّ، حيث يفتح الذكاء الاصطناعيُّ، وتحليل البيانات، والتقنيات الناشئة، آفاقًا واسعةً لتطوير الخدمات الحكوميَّة، ولم يعد الطُّموح أنْ يحصل المستفيدُ على الخدمة إلكترونيًّا فقط، وإنَّما أنْ تصبح الخدمات أكثرَ استباقيَّة وذكاءً، وأنْ تساعد البياناتُ في التنبؤِ بالاحتياجاتِ.
الاستثمار في العنصر البشري
من جانبه يشير د. موسى محمد خبراني، أستاذ علوم الحاسب المتقدِّمة وتطوير التطبيقات الذكية المشارك، بكلية الهندسة وعلوم الحاسب بجامعة جازان، بأن العالم يشهد تحوُّلًا رقميًّا متسارعًا أعاد تشكيل طريقة تقديم الخدمات وبناء الاقتصادات الحديثة، وقد انطلقت هذه المسيرة برُؤية واضحة تهدف إلى بناء دولة حديثة تعتمد على التقنية والمعرفة، ولم يعد التحوُّل الرقمي في المملكة مجرَّد رقمنة للخدمات، بل أصبح إعادة هندسة شاملة لطريقة تقديمها، بالاعتماد على البيانات والذكاء الاصطناعي والأتمتة.
وأضاف إنَّ هذا التطور شمل قطاعات حيويَّة مثل التعليم والصحة والنقل والخدمات المالية والبلدية، وفي ظل هذا التقدم، برزت أهميَّة الأمن السيبراني وحماية البيانات كعنصرٍ أساسٍ لضمان استدامة التحوُّل الرقمي، إلى جانب الاستثمار في الإنسان السعودي الذي يمثِّل المحرك الحقيقي لهذا التحوُّل.
إنتاج التقنية
أمَّا د. همام محمد الغامدي، الأستاذ المساعد في علوم الحاسب والذكاء الاصطناعي بجامعة جدة، فيقول: قبل سنوات ليست بالبعيدة، كانت المعاملة الحكوميَّة رحلة مجهدة، تذهب برفقة ملف ورقي، تنتظر في طابور ربما لساعات، بعدها تسمع صوتًا ينادي «النظام متوقف اليوم»، ثم تضطر للعودة في اليوم التالي.
وأشار أنَّ الرقمنة حين تنجح لا تُرى بالعين المجردة؛ بل نلمسها في سرعة الإنجاز وسهولته، وفي الوقت الذي استعدناه من حياتنا.
وأضاف قائلًا: في مؤشر الجاهزيَّة الرقميَّة 2025 الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU)، حققت المملكة المركز الأول عالميًّا بـ 94 نقطة من 100، متقدِّمة من المركز الرابع عام 2024.
وبحكم عملي الأكاديمي، أنظر إلى هذه المؤشرات بعين مختلفة.
المرتبة نفسها ليست الخبر؛ الخبر هو تسارع هذا الصعود.
وحققت ثلاث جامعات سعوديَّة ترتيبات عالميَّة متقدِّمة في أفضل 200 جامعة عالميًّا؛ ممَّا يعكس التزام المملكة برفع كفاءة مؤسساتها التعليميَّة عالميًّا، لكن المؤشر الأصدق عندي ليس في التقارير، إنما في مستوى النقاش والإدراك الذي ألمسه في قاعة المحاضرة، وفي مشروعات طلبة يمثلون المملكة في المحافل الدوليَّة ويعودون بجوائز.
جيل جديد لم يعد يستهلك التقنية؛ بل أصبح ينتجها ويناقش أخلاقياتها.
وهذه أعمق عوائد التحوُّل وأبقاها؛ لأنَّها العائد الوحيد الذي لا يتقادم.