أصبحت إدارة الحشود المليونيَّة في موسم الحجِّ، أحد النماذج السعوديَّة الجديرة بالدِّراسة والاستفادة عالميًّا.
وفي إطار الاحتفالات باليوم الوطنيِّ، تبدُو منظومة أمن الحجِّ واحدًا من الشَّواهد البارزة على حجم التحوُّل الذي شهدته المملكة، فالمفهوم الأمني لم يعد مقتصرًا على الانتشار الميدانيِّ، وضبط الحركة، وإنَّما أصبح منظومةً متكاملةً تبدأ قبل وصول الحاجِّ، وتمتدُّ عبر المنافذ، والطُّرق، والمشاعر، والمسجد الحرام.

يقولُ اللواء متقاعد سعد عبدالله الخليوي: إنَّ أمن الحجِّ يمثِّل اليوم حصيلة خبرة سعوديَّة، تراكمت عبر سنوات طويلة، وتطوَّرت بصورة متسارعة في عهد الملك سلمان، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مشيرًا إلى أنَّ التعامل مع ملايين البشر القادمين من ثقافات ولغات وأعمار مختلفة، وفي نطاق جغرافيٍّ وزمنيٍّ محدود، يُعدُّ من أعقد المهام الأمنيَّة والتنظيميَّة في العالم.
مزج الإنسانية والحزم
وأضاف الخليوي: إنَّ نجاح المملكة لا يمكن اختزاله في كثافة القوى البشريَّة الموجودة في الميدان، بل يكمن في دقَّة التخطيط، ووضوح المسؤوليَّات والتَّدريب المستمر، وقراءة المتغيِّرات، مؤكِّدًا أنَّ «رجل الأمن في الحجِّ لا يؤدِّي مهمَّةً أمنيَّةً مجردَّةً، وإنَّما يحمل شرف خدمة ضيف الرَّحمن، ولذلك يمتزج في أدائه الحزم بالإنسانيَّة، والانضباط بحسن التًّعامل».
وأوضح أنَّ الخبرة السعوديَّة أصبحت مدرسةً متخصِّصةً في إدارة التجمُّعات البشريَّة الكُبْرى، وأنَّ ما يراه العالمُ خلال أيام الحجِّ هو نتيجة عمل يبدأ مبكِّرًا، وتسبقه سيناريوهاتٌ، وافتراضاتٌ، وتدريباتٌ دقيقةٌ.
تكامل الخطط

من جانبه، أرجع اللواء متقاعد علي سعيد الغامدي، نجاح منظومة أمن الحجِّ إلى التكامل بين القطاعات الأمنيَّة، والجهات الحكوميّة والخدميَّة، حيث لا تعمل أيُّ جهة بمعزلٍ عن الأُخرى، وإنَّما تتحرَّك المنظومةُ وفق هدفٍ موحَّد، وخطط مترابطة تبدأ من استقبال الحجَّاج، وتمتدُّ حتى مغادرتهم.
وقال الغامدي: إنَّ «إدارة الحشود ليست تحريكَ أعدادٍ من موقعٍ إلى آخرَ فحسب، وإنَّما علمٌ يقومُ على معرفة الطاقة الاستيعابيَّة للمواقع والمسارات، وأوقات الذِّروة، والسلوك البشريِّ، والبدائل الممكنة عند حدوث أيِّ طارئ»، لافتًا إلى أنَّ المملكة بنت معرفة ميدانيَّة متراكمة في هذا المجال، وطوَّرتها عامًا بعد آخرَ، وهو ما انعكس على انسيابيَّة الحركة، ورفع مستويات السَّلامة.
وأضاف: إنَّ وجود غُرف العمليَّات، والربط المباشر بين القيادات والميدان، أسهما في اختصار زمن الاستجابة، وجعل القرار أكثرَ سرعةً ودقَّةً.
التحوُّل التقنيُّ

ويرى اللواء متقاعد مسعود فيصل العدواني، أنَّ التحوُّل التقني الذي شهدته المملكة، منح منظومة أمن الحجِّ بُعدًا جديدًا، إذ أصبحت البياناتُ شريكًا أساسًا لرجل الأمن في اتِّخاذ القرار، وأتاحت التقنياتُ الحديثةُ قراءةَ حركة الحشود، والكثافات، ومتابعة المواقع الحيويَّة بصورةٍ آنيَّةٍ.
وأوضح العدواني، أنَّ «قيمة التقنية الحقيقيَّة تظهر عندما تتحوَّل المعلومةُ في اللَّحظة المناسبة، إلى قرارٍ ميدانيٍّ يحمي الأرواح، ويمنع الازدحام، ويرفع كفاءة الحركة»، مؤكِّدًا أنَّ الاستثمار في الذكاء الاصطناعيِّ، والمنصَّات الرقميَّة، وأنظمة الرَّصد والتَّحليل جعل إدارة الحشود أكثرَ استباقيَّة.
مفهوم أمن الحجِّ

بدوره، قال اللواء متقاعد سعيد سالم القرني: إنَّ أمن الحجِّ يقدِّم صورة مختلفة وشاملة لمفهوم الأمن، فهو يجمع الوقاية، والتنظيم، والإرشاد، والمساعدة، والتدخُّل السَّريع، مشيرًا إلى أنَّ رجل الأمن أصبح جزءًا من تجربة الحاجِّ الإنسانيَّة، وليس مجرَّد عنصرٍ لتنظيم المسارات.
وأضاف القرني: «مَن يتأمَّل المشهد في المشاعر المقدَّسة، يدرك أنَّ القوَّة الحقيقيَّة لهذه المنظومة تكمنُ في قدرتها على إدارة التفاصيل»، مؤكِّدًا أنَّ التوسُّع في التدريب، والمحاكاة، ورفع الجاهزيَّة أسهم في صناعة كفاءات وطنيَّة تملك خبراتٍ نوعيَّةً يصعب اكتسابها بعيدًا عن الميدان.
وأشار إلى أنَّ استمرار تطوير هذه التجربة، يجعل المملكة مرجعًا مهمًّا في علوم إدارة الحشود، والتجمُّعات الكُبْرى.
تيسير رحلة الحجِّ

أمَّا اللواء متقاعد يحيى مساعد الزهراني، فأكَّد أنَّ ما تحقَّق في أمن الحجِّ -خلال عهد الملك سلمان- يجسِّد أولويَّة الإنسان في سياسة الدولة، موضِّحًا أنَّ الإنفاق على البنية التحتيَّة، والتقنية، وتطوير الكفاءات ليس غايةً في ذاته، وإنَّما وسيلة لحماية الحاجِّ، وتيسير رحلته منذ دخوله المملكة، وحتى مغادرته.
وقال الزهراني: إنَّ «نجاح موسم الحجِّ أمنيًّا لا يُقَاس فقط بعدم وقوع الحوادث، وإنَّما بقدرة المنظومة على توقُّع المخاطر قبل حدوثها، وصناعة البدائل، والتدخُّل في الوقت المناسب، دون أنْ يشعر الحاجُّ بحجم العمليَّات التي تجري من حوله»، معتبرًا أنَّ هذه القدرة على إدارة الملايين بانسيابيَّة وهدوء، تمثِّل أحد أبرز أوجه القوَّة التنظيميَّة السعوديَّة.
وأوضح أنَّ إدارة الحشود في الحجِّ ليست مجرَّد مهمَّة أمنيّة موسميَّة، وإنَّما مسؤوليَّة دولة، وشرف خدمة، ورسالة للعالم، صنعت المملكة تفاصيلها بخبرةِ أبنائها، ورسَّخت في عهد الملك سلمان قدرتها على تحويل أحد أعقد التجمُّعات البشريَّة على وجه الأرض، إلى مشهدٍ تتقدَّم فيه الطمأنينة على الزَّحام، والنِّظام على العشوائيَّة، والإنسان قبل كل شيءٍ.