على مدى أكثر من تسعة عقود، انتقل القضاءُ في المملكة من مرحلة التَّأسيس ومأسَّسة العمل القضائيِّ إلى التخصُّص والتَّطوير التَّشريعيِّ، ثمَّ إلى التحوُّل الرقميِّ والعدالة الإلكترونيَّة، وصولًا إلى توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعيِّ.
ويعكس هذا المسار تحوُّلًا متدرِّجًا جعل العدالة أكثر تنظيمًا وقربًا من المستفيد، وربط بين حماية الحقوق، وكفاءة المؤسَّسات، ودعم الاقتصاد والاستثمار.
وفي مناسبة اليوم الوطنيِّ، يستحضرُ قانونيُّون ومحامُون هذه الرِّحلة بوصفها أحد أبرز مسارات التحوُّل المؤسسيِّ في المملكة، مؤكِّدين أنَّ تطوير المنظومة العدليَّة لم يعد مقتصرًا على تحديث الإجراءات، بل أصبح مشروعًا متكاملًا يشمل التشريع، والقضاء، والتنفيذ، والخدمات الرقميَّة، ضمن مستهدَفات رُؤية السعوديَّة 2030.
نقلة تاريخية ونوعية
يرى المحامي ماجد قاروب أنَّ ما تشهده المنظومة العدليَّة اليوم، يمثِّل «نقلةً تاريخيَّةً ونوعيَّةً غير مسبوقة في مسيرة القضاء والتَّقاضي»، مستندًا إلى ما عاصره خلال تجربته المهنيَّة من مراحل متعدِّدة لتطوُّر العمل العدليِّ.
وأوضح أنَّ الممارسة انتقلت من الإجراءات التقليديَّة إلى منظومة رقميَّة متكاملة، شملت التَّقاضي الإلكترونيَّ، وتبادل المذكرات والمُستندات عن بُعد، وعقد الجلسات إلكترونيًّا، وإنجاز العديد من الخدمات العدليَّة رقميًّا.
وأكَّد أنَّ هذا التحوُّل أسهم في اختصار الوقت والجهد، وتسريع الإجراءات، وتعزيز الشفافيَّة، وتسهيل وصول المستفيدِين، بما رسَّخ مفهوم العدالة الناجزة.
ويرى أنَّ التوسُّع في الذكاء الاصطناعيِّ يمثِّل امتدادًا طبيعيًّا للتحوُّل الرقميِّ، ويفتح المجال أمام منظومة أكثر كفاءةً ومرونةً، مع بقاء حماية الحقوق، وسيادة الأنظمة في صميم العمليَّة العدليَّة.
العدالة تبدأ بحماية الحق
من جانبه، يؤكِّد المحامي ماجد الفهد، أنَّ التحوُّل العدلي أصبح منظومةً متكاملةً تبدأ بحماية الحقوق، وتنظيم الالتزامات، وتمرُّ بالتَّقاضي وإصدار الأحكام، وتنتهي بالتَّنفيذ.
ويشير إلى أنَّ رُؤية السعوديَّة 2030 دفعت نحو تطوير التَّشريعات، وتعزيز التخصُّص القضائيِّ، ورفع كفاءة الإجراءات، والتوسُّع في الخدمات الرقميَّة، وتأهيل القضاة، والمحامِين، والممارسِين القانونيِّين.
ويبرز في هذا المسار صدور أنظمة مهمَّة، من بينها نظام الإثبات، ونظام الأحوال الشخصيَّة، ونظام المعاملات المدنيَّة، إلى جانب تطوير الأنظمة التجاريَّة والجزائيَّة والتنفيذيَّة.
ويرى الفهد أنَّ أهميَّة هذه التَّشريعات تتمثَّل في توفير قواعد مكتوبة وواضحة تساعد القاضي، والمُحامي، والمُتقاضِي، والمُستثمر على معرفة الحقوق، والالتزامات، والآثار القانونيَّة للتصرُّفات.
كما يربط بين قوَّة البيئة الاستثماريَّة، وكفاءة المنظومة العدليَّة، مؤكِّدًا أنَّ حماية العقود، وإثبات الحقوق، وسرعة الفصل في المنازعات، وفاعليَّة التنفيذ، عناصر أساسيَّة في استقرار النشاط الاقتصاديِّ.
الأمن القانوني يعزِّز الثقة
ويؤكِّد المُحامي إيهاب أبو ظريفة، أنَّ تطوير العدالة تجاوز تحسين الإجراءات إلى بناء منظومة أكثر كفاءةً ووضوحًا وسرعةً، تستند إلى التشريعات الحديثة، والحلول الرقميَّة.
ويرى أنَّ الحِراك التشريعيَّ أسهم في تعزيز وضوح الحقوق والالتزامات، وتقليل التباين في تفسير القواعد القانونيَّة، بما يمنح الأفراد، وقطاع الأعمال قدرةً أكبرَ على معرفة مراكزهم القانونيَّة، والآثار المترتبة على تعاملاتهم.
كما يشير إلى أنَّ الرقمنة غيَّرت تجربة المستفيد، من خلال إتاحة تقديم الدَّعاوى والطَّلبات ومتابعة الإجراءات والجلسات وخدمات التَّنفيذ إلكترونيًّا، بما قلَّل الإجراءات الورقيَّة، وحسَّن تدفُّق المعلومات، وعزَّز الشفافيَّة، وسهولة المتابعة.
ويربط أبو ظريفة بين البيئة العدليَّة والاقتصاد، موضحًا أنَّ وضوح الأنظمة، وحماية الحقوق والعقود، وكفاءة القضاء، وفاعلية تسوية المنازعات تُسهم في تقليل المخاطر القانونيَّة، وتوفير بيئة أكثر استقرارًا وقابلية للتَّنبؤ.
القضاء المؤسسي
أمَّا المُحامي عبدالله العبوش، فيقرأ التحوُّل من منظورٍ تاريخيٍّ، موضِّحًا أنَّ القضاء في بدايات تأسيس المملكة اعتمد بدرجةٍ كبيرةٍ على الاجتهاد في فهم الأحكام الشرعيَّة، قبل أنْ يعمل الملك عبدالعزيز –رحمه الله– على توحيد القضاء ومأسسته.
وشهد عام 1346هـ/1926م إصدار أوَّل نظام للمحاكم في الحجاز، ثمَّ تواصل التَّنظيم القضائيُّ، وصولًا إلى إنشاء وزارة العدل عام 1390هـ، وصدور نظام القضاء عام 1395هـ.
ومع تطوُّر المنظومة، ظهرت المحاكمُ والدوائرُ المتخصِّصة، ومنها التجاريَّة، والجزائيَّة، والعماليَّة، والأحوال الشخصيَّة، والتنفيذ، بما عزَّز التخصُّص، ورفع الكفاءة.
ويشير العبوش إلى أنَّ مشروع تطوير مرفق القضاء عام 1428هـ شكَّل نقلةً نوعيَّةً شملت الأنظمة والبنية التحتيَّة، وتأهيل الكوادر والاستفادة من التقنية.
ويمثِّل إطلاق منصَّة «ناجز» محطَّةً بارزةً في التحوُّل الرقميِّ، إذ أتاحت إنجاز طيفٍ واسعٍ من الخدمات العدليَّة إلكترونيًّا، بما في ذلك الوكالات، والجلسات عن بُعد، وتحديث الصكوك، وخدمات التَّنفيذ وغيرها.
ويرى العبوش أنَّ الرقمنة غيَّرت علاقة المُتقاضي بالخدمة العدليَّة؛ فأصبح بإمكانه رفع الدَّعوى ومتابعتها، وتقديم المستندات، وحضور الجلسات، والاطِّلاع على الأحكام، وتقديم الاعتراضات إلكترونيًّا، مع تقليل أثر البُعد الجغرافيِّ والوقت والتَّكلفة.
رحلة القضاء السعوديالتَّوحيد والمأسسة.
التَّنظيم والتخصُّص.
التَّشريع والتحوُّل الرقمي.
تحدِّيات وفرص تتعلَّق بجودة الأحكام.
استقرار المبادئ القضائيَّة وتأهيل الممارسين.
المحافظة على الضمانات القضائيَّة والإنسانيَّة.
حماية الحقوق ووضوح القانون.
فاعليَّة التَّنفيذ جزء من التحوُّل الوطني الشامل.
توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي.