في ظلِّ التحوُّلات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة المتسارعة التي تشهدها المملكة، أصبحت بيئة العمل من أبرز المؤشِّرات على حجم التغيير، خصوصًا فيما يتعلَّق بتمكين المرأة، وتعزيز حضورها المهني.
ومع مستهدَفات رُؤية 2030، لم يعد تمكين المرأة مرتبطًا بمجرَّد زيادة مشاركتها في سوق العمل، بل امتدَّ إلى تحسين جودة تجربتها المهنيَّة، من سهولة التنقل والوصول إلى مقر العمل، إلى توفير بيئات أكثر مرونةً ودعمًا، بما يساعد على تحقيق التوازن بين المسؤوليَّات الأسريَّة والمهنيَّة.
وتعكس شهادات عدد من المعلِّمات والقيادات التعليميَّة تحسُّنًا واضحًا في بيئة العمل خلال السنوات الأخيرة، مع استمرار تحدِّيات تتعلَّق بالنقل، والحضانات، وتكافؤ الفرص، وتطبيق الأنظمة والتَّشريعات.
من جانبها أوضحت منى عبدالهادي بافقير، مديرة مدرسة، أنَّ الوصول إلى مقر العمل شهد تحسُّنًا ملحوظًا؛ نتيجة تنوُّع وسائل النقل، وتطوُّر بعض الخدمات الداعمة، إضافة إلى سهولة استخدام الأدوات الرقميَّة في أداء العمل.
لكنَّها أشارت إلى استمرار تحدِّيات مثل بُعد المسافات، ومحدوديَّة خيارات النقل في بعض الأوقات، مؤكِّدةً الحاجة إلى مزيدٍ من التكامل بين خدمات النقل.
وترى بافقير أنَّ بيئة العمل أصبحت أكثرَ تنظيمًا، مع وضوح أكبر في السياسات، وتعزيز الدعم المؤسسيِّ، إلَّا أنَّ خدمات حضانات الأطفال لا تزال محدودةً، رغم وجود مبادرات توفِّر مرافق لرعاية الأطفال، أو تسهيلات للأُمهات العاملات.
كما أشارت، إلى تراجع نسبيٍّ في معدلات الشكاوى العماليَّة؛ نتيجة تطوير الأنظمة، وتعزيز الضَّوابط التي ساهمت في تنظيم العلاقة بين الموظَّف، وجهة العمل.
تعدُّد وسائل النقل
من جهتها، أوضحت سوسن القحطاني، أستاذ مساعد ورئيسة برنامج التسويق، أنَّ تعدُّد وسائل النقل ساهم في تسهيل التنقل، وتقليل الصعوبات التي كانت تواجه الموظَّفات سابقًا، إلَّا أنَّ تركُّز كثيرٍ من الوظائف في مواقع بعيدة عن أماكن السَّكن لا يزال يمثِّل تحدِّيًا، داعيةً إلى توزيعٍ جغرافيٍّ أكثر توازنًا للفرص الوظيفيَّة.
وأكَّدت أنَّ التحوُّل في بيئة العمل لم يصل بعد إلى مرحلةٍ كاملةٍ، مشيرةً إلى تفاوت الممارسات بين المؤسَّسات، إذ قد تبرز أحيانًا اعتباراتٌ شخصيَّة إلى جانب الكفاءة المهنيَّة.
وفي المقابل، ظهرت نماذج أكثر شمولًا، ما يؤكِّد أهميَّة ثقافة المؤسَّسة، ودور القيادات في بناء بيئةٍ داعمةٍ.
كما لفتت القحطاني إلى استمرار بعض التحدِّيات المتعلِّقة بتمكين المرأة، ومنها محدوديَّة بعض الفُرص القياديَّة، وضرورة بذل المرأة جهدًا أكبر لإثبات كفاءتها في بعض البيئات.
وبشأن حضانات الأطفال، أكَّدت أنَّ المبادرات لا تزالُ جزئيَّةً، بينما يصعب تقييم معدَّلات الشكاوى الرسميَّة؛ بسبب تفضيل معالجة المشكلات داخليًّا عبر التسلسل الإداريِّ.
وأشادت بالتطوُّر في الأطر التنظيميَّة والتشريعيَّة الصادرة عن وزارة الموارد البشريَّة والتنمية الاجتماعيَّة، لكنَّها أشارت إلى أنَّ التطبيق العملي قد يواجه طول الإجراءات، أو وجود بعض البنود التي تحتمل أكثر من تفسير، مؤكِّدةً أنَّ وضوح الأنظمة يجب أنْ يترافق مع رقابة فعَّالة وإرشادات أكثر تفصيلًا، وتسريع الإجراءات.
عمل المرأة ضرورة اقتصادية
وأكَّدت هوازن بيطار السيد، معلِّمة اللغة العربيَّة، أنَّ عمل المرأة أصبح ضرورةً اقتصاديَّةً، وعنصرًا أساسًا في دعم التنمية.
وترى أنَّ تحسين الوصول إلى العمل، وتوفير خدمات مساندة يرفع الإنتاجيَّة، مشيرةً إلى مبادرات مثل برنامج «وصول»، الذي يدعم التنقل إلى مقرَّات العمل.
كما شدَّدت على أهميَّة توفير مرافق لرعاية الأطفال، وساعات العمل المرنة، لافتةً إلى برنامج «قرة» المدعوم من منصَّة «طاقات»، والذي يساهم في تحمل 50% من تكاليف مراكز ضيافة الأطفال للأطفال دون سن السادسة، بما يدعم الأُمَّهات العاملات.
وأشارت كذلك إلى دور برنامج «قوى» في تنظيم بيئة العمل في القطاع الخاص، وتعزيز حماية حقوق أطراف العلاقة التعاقديَّة.
وفي السياق ذاته، أوضحت شوق زياد، معلِّمة الرياضيَّات، أنَّ تمكين المرأة شهد تطوُّرًا ملحوظًا بما يتوافق مع رُؤية 2030، مشيرةً إلى أنَّ برنامج «وصول» ساهم في تسهيل التنقل، ودعم الاستقرار الوظيفي.
كما أكَّدت أهميَّة برنامج «قرة» في دعم الأُمَّهات العاملات، مع الحاجة إلى التوسُّع في توفير الحضانات داخل مقرَّات العمل، أو بالقرب منها.
وأشارت زياد إلى انخفاض بعض معدَّلات الشكاوى العماليَّة؛ نتيجة ارتفاع الوعي بالحقوق والواجبات، وتحسُّن آليات التَّعامل مع الخلافات، مؤكِّدةً استمرار الجهود الحكوميَّة لتطوير سوق العمل، وتحسين تجربة المرأة العاملة.