صحيفة المدينة
ثقافة

مترجمون وأكاديميون في معرض الشارقة الدولي للكتاب: الذكاء الاصطناعي لا يعوّض المترجم الأدبي

مترجمون وأكاديميون في معرض الشارقة الدولي للكتاب: الذكاء الاصطناعي لا يعوّض المترجم الأدبي

دعوا إلى حماية حقوق المترجمين وإلزام الناشرين..

سعيد العدواني - الشارقة
4 دقائق قراءة
أكد مترجمون وأكاديميون وناشرون أن التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي على الرغم مما وفره من سرعة في الترجمة ونقل المعاني بين اللغات، لا يمكن أن يحل محل المترجم الأدبي، خصوصاً في التعامل مع النصوص الشعرية والإبداعية التي تتطلب فهماً عميقاً للسياق الثقافي والذائقة الجمالية وخصوصية اللغة.

جاء ذلك خلال ندوة «لماذا نترجم في العصر الرقمي؟ - ندوة جائزة ترجمان»، التي شهدتها الدورة الـ45 من معرض الشارقة الدولي للكتاب 2026، وشارك فيها الدكتورة إيزابيلا كاميرا دافليتو، والدكتور صبحي البستاني، والدكتور لويس ميغيل كنيادا، والدكتور كيم نيونغ وو، والدكتورة فاليريا ماسياس باجيس.
وناقش المشاركون تأثير الذكاء الاصطناعي في مستقبل الترجمة الأدبية، والفرص التي تتيحها الأدوات الرقمية للمترجمين، إلى جانب التحديات المرتبطة بترجمة اللغات الأقل انتشاراً، وانعكاسات هذه التقنيات على صناعة النشر وحقوق المترجمين والقراء.

جماليات النص الشعري
وأوضح الدكتور صبحي البستاني أن الفارق بين الترجمة البشرية والآلية يظهر بوضوح عند التعامل مع النصوص الشعرية، مستشهداً بنماذج من قصائد الشاعر محمود درويش وترجمتها إلى الفرنسية على يد المترجم والناقد إلياس صنبر. وقال إن الترجمة الآلية قد تنجح في نقل المعنى، لكنها لا تتمكن دائماً من المحافظة على الإيقاع والجماليات التي تشكل جزءاً أساسياً من التجربة الشعرية. وأشار إلى أن تكرار حرف الواو في بعض قصائد درويش يمنح النص إيقاعاً متسارعاً يعكس توالي الأحداث وتراكمها، إلا أن الترجمة الرقمية تتجه أحياناً إلى حذف هذا التكرار بما يتوافق مع أساليب الصياغة الفرنسية.
وقارن البستاني كذلك بين ترجمة الشاعر أدونيس لقصيدة «ضد أفلاطون» للشاعر الفرنسي إيف بونفوا والترجمة الرقمية لها، معتبراً أن الترجمة الإبداعية لا تقتصر على نقل الكلمات، بل تعيد تقديم النص برؤية المترجم وخبرته الشعرية.

الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة
من جانبه، استعرض الدكتور كيم نيونغ وو تجربته التي تمتد نحو 30 عاماً في ترجمة الأدب العربي إلى اللغة الكورية، مشيراً إلى استعانته بالذكاء الاصطناعي في العمل على ترجمة كتاب «النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية» للقاضي بهاء الدين بن شداد، الذي يوثق سيرة السلطان صلاح الدين الأيوبي، متوقعاً الانتهاء من ترجمته خلال العام المقبل.
وأوضح أنه يستخدم التقنيات الحديثة في البحث عن السياقات التاريخية والمصطلحات القديمة، وشدّد على أنه لا يتعامل مع مخرجات الذكاء الاصطناعي باعتبارها معلومات نهائية، بل يعود إلى المعاجم والمراجع العلمية للتحقق منها، مؤكداً أن الترجمة الأدبية تظل عملاً إنسانياً يتطلب المعرفة والثقافة والتذوق، وأن التقنية مهما تطورت تبقى أداة مساعدة للمترجم وليست بديلاً عنه.
الأدب يكسر الصور النمطية
بدورها، أكدت الدكتورة إيزابيلا كاميرا دافليتو أن ترجمة الأدب العربي تمثل وسيلة مهمة لتعريف القراء في الغرب بتاريخ المجتمعات العربية وثقافاتها وتحولاتها الاجتماعية والسياسية، مشيرة إلى أن مسؤولية المترجم تتجاوز نقل النصوص إلى اختيار الأعمال التي تسهم في بناء فهم حقيقي للثقافات الأخرى.
واستشهدت بأعمال لعدد من الأدباء العرب، من بينهم غسان كنفاني وسحر خليفة، التي تناولت قضايا فقدان الأرض والتهجير والمنفى والذاكرة والهوية، إلى جانب مؤلفات عبد الرحمن منيف وصنع الله إبراهيم وسعد الله ونوس، كما أشارت إلى أعمال إبراهيم الكوني التي تنقل للقارئ عوالم الصحراء وعلاقة الإنسان بالطبيعة، وأضافت أن اهتمامها بترجمة الأدب العربي ينطلق من تقديرها لهذا الأدب، وحرصها على تشجيع الأجيال الجديدة من المترجمين، وإتاحة الفرصة أمام القراء لاكتشاف المجتمعات العربية بعيداً عن الصور النمطية والأحكام المسبقة.
اللغات الأقل انتشاراً
وفيما يتعلق بالتحديات التقنية، أوضحت الدكتورة فاليريا ماسياس باجيس أن أدوات الذكاء الاصطناعي لا تقدم المستوى ذاته من الدقة عند التعامل مع جميع اللغات، خصوصاً اللغات الأقل انتشاراً، بسبب محدودية النصوص والبيانات المتاحة لتدريب النماذج اللغوية.
وقالت إن الترجمة الأدبية تحتاج إلى سنوات من القراءة والدراسة والبحث والاحتكاك بالثقافات المختلفة، حتى يتمكن المترجم من استيعاب الفروق الدقيقة في المعاني والتعبيرات، مشيرة إلى أن نقص البيانات الرقمية يحد من قدرة الأنظمة الآلية على فهم خصوصية بعض اللغات وسياقاتها الثقافية.
ولفتت إلى مطالبات تقودها جمعيات للناشرين والمترجمين في إسبانيا بوضع علامات واضحة على أغلفة الكتب توضح ما إذا كانت الترجمة بشرية أم آلية، بما يمنح القارئ حق معرفة طبيعة العمل الذي يقتنيه.
حقوق المترجمين والشفافية
من جهته، حذر الدكتور لويس ميغيل كنيادا من تداعيات التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي على سوق الترجمة والنشر، موضحاً أن القضية لا تتعلق بالتقنية وحدها، بل تمتد إلى مستقبل الترجمة بوصفها مهنة إبداعية ومنتجاً ثقافياً وتجارياً.
وأشار إلى أن القدرة على إنتاج الكتب وترجمتها بكميات كبيرة وفي وقت قصير قد تدفع بعض الناشرين إلى التركيز على العائد الاقتصادي على حساب القيمة الفكرية وجودة المحتوى، فضلاً عن تراجع الاهتمام بالمترجمين المحترفين وأعمالهم.
وتحدث عن مخاوف تتعلق بنشر كتب مترجمة دون الإشارة إلى أسماء مترجميها أو توضيح طبيعة دور الذكاء الاصطناعي في إنتاجها. ودعا إلى وضع ضوابط أكثر وضوحاً لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وإلزام دور النشر بالإفصاح عن آليات الترجمة ومدى الاستعانة بالتقنيات الحديثة، مع توضيح ذلك للقارئ على أغلفة الكتب، بما يحفظ حقوق المترجمين ويعزز الثقة في المنتج الثقافي.
وأكد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقدم خدمات مهمة للمترجمين، شريطة ألا تتحول مخرجاته إلى بديل عن الخبرة البشرية، وأن تظل مسؤولية مراجعة النصوص والتحقق من دقتها والمحافظة على روح العمل الأصلي مسؤولية المترجم
المزيد من القسم