يمثل يوم الثالث والعشرين من شهر سبتمبر في كل عام -لنا كسعوديين- محطة تأمل نتنقل فيه بين ماض كان أجدادنا يتقاسمون عيشته الضنكة، ويعانون فيه من آفة التشرذم والفُرقة، وبين حاضر زاهر ننعم فيه برفاهية ورغد عيش، ونتطلع من خلاله إلى مُستقبل مُشرق نرسم خارطته بالجهد والسهر على رفعته، والحفاظ على مُقدراته ومُكتسباته، ولن يتأتى هذا بالقول ما لم نُعضده بالفعل الإيجابي الذي يحفظ وطننا من الأخطار التي تُحاك ضده ممن جندوا أنفسهم للحقد، وامتطوا صهوة الكراهية المتعاظمة له.
لقد أصبح هذا اليوم تاريخًا يذكره الصغير قبل الكبير؛ ليس لأنه يُمثل رقمًا زمنيًا نجمعه مع ما قبله من أيام ونتغنى به صوتًا، بقدر ما كان ولا يزال يعني لنا الكثير؛ ففيه تآلفت القلوب، وتوحدت التوجهات، وقُدمت المصالح الشخصية على ربيبتها الجماعية، وانطلقت الرحلة الميمونة صوب البناء والنماء، مُتخذة من الصحراء القاحلة محطة انطلاق -وهنا سر الإبداع وقمة التحدي- في سيمفونية تعزف أنغامًا على وتر الإخاء، وتضرب بيد من حديد على طبلة نبذ الفرقة والشتات، وتتمايل طربًا للبذل والعطاء؛ مُستندة على رغبة عارمة للمؤسس الملك عبدالعزيز ورجاله الأشاوس -عليهم شآبيب الرحمة- في تغيير واقعهم المرير إلى واحة ترفرف على جنباتها ينابيع المحبة، وتسقيها شلالات التعاون من أجل تشكيل كينونة متناغمة أضحى تحقيقها لا يعدو أن يكون مُتغيِّر الزمن هو الفيصل في ذلك، ودافعهم القوي هو بروز ملامحها في أُفق المُستقبل القريب، الأمر الذي يعني أنهم تأكدوا من قُرب قطفهم لثمار غرسهم.
لقد مرت مرحلة التأسيس بالكثير من المُعوقات التي غالبًا ما تعترض البدايات، ولكن العزيمة العالية، والنية الصادقة لجيل التأسيس قلب مُعادلة الحسابات ذات النهايات المُستحيلة، وحوّلها ببراعة الربان الماهر الذي تبرز مهاراته في أحلك الظروف إلى حلول عملية على أرض الواقع، لذا فإن يومنا الوطني بهذه السيرة العطرة يحق لنا تدارسه صباح مساء؛ لأنه يُعيدنا إلى قراءة حقبة زمنية واجه فيها صُناع تاريخنا الحديث سلسلة من المصاعب والعثرات في طريق رسمهم لمستقبل الوطن الحلم؛ الذي لم يكن واقعًا يعاش، بقدر ما استشرفته رؤى عميقة، وسعت إلى تحقيقه عزائم رجال عاهدوا الله وفقًا لمبدأ النصر أو الشهادة، وكان لهم ما أرادوا من آمال وطموح توجوه بإعلان التوحيد -منهجًا ومكانًا-.
ولم يتوقف الفعل الإيجابي لوطننا الكبير عند هذا الحد، بل تجاوزه بعد أن أُرسيت دعائم التوحيد إلى الحضور الفاعل في المحيط الإقليمي والدولي، نظرًا لما تتمتع به قيادته من مصداقية في التعامل، وبُعد نظر في تناول القضايا المصيرية التي يتوقف على حلها تعزيز السلام الدولي؛ على اعتبار أن الأمن كلٌ لا يتجزأ، وأننا عضوٌ في مُجتمع تحكمه مصالح مُتبادلة، ومصير مُشترك.
الوطن في سويداء القلب
تاريخ النشر: 25 سبتمبر 2011 01:04 KSA
يمثل يوم الثالث والعشرين من شهر سبتمبر في كل عام -لنا كسعوديين- محطة تأمل نتنقل فيه بين ماض كان أجدادنا يتقاسمون عيشته الضنكة، ويعانون فيه من آفة التشرذم والفُرقة، وبين حاضر زاهر ننعم فيه برفاهية ورغد
A A


