يُمارِس المُجتمع الدولي المؤثر – بالطبع – في تغيير مُجريات الأحداث صمتاً رهيباً حول تداعيات الأوضاع المأساوية في سوريا ، والمُتتبع لمواقف هذا المُجتمع خلال ثورات الربيع العربي يجد تبايناً غريباً في آليِّة التعامل مع كل ثورة ؛ ومع أنها كانت إيجابية في أكثر من ثورة ، خاصة في ليبيا ؛ إذ قامت قوات التحالف بالتدخل العسكري للحد من شراسة القذافي المُمارَسة على شعبه تحت ذريعة تطبيق القانون الدولي ، واستبشرنا خيراً بنزاهة هذا المجلس الذي سيكون عوناً للضعيف في عالم تحوَّل إلى غابة يتربص فيها القوي بالضعيف ، ولكننا في الشأن السوري انقسم هؤلاء المؤثرون في مجلس الأمن الدولي على بعضهم ، فروسيا والصين وقفت في وجه بقية الدول صاحبة الفيتو فيه ، دون تقديم مُبررات مُقنعة ، سوى منح الخيار السياسي فرصته الكافية لحل القضية ، ربما يكون الموقف الروسي واضحة دوافعه ؛ فالتحالف التقليدي بين سوريا وروسيا قطفت ثماره الأولى في هذا المُنعطف التاريخي في حياتها ، ولكنه – للأسف - على حساب المبادئ التي تُنادي بها روسيا دوماً ، والتي بناءً على التزامها بها أصبحت عضواً دائماً في هذا المجلس ، فالسؤال الذي يجب أن يوجه لمجلس الأمن في هذا السياق : ما هي المعايير التي بناءً عليها يتم اتخاذ قرار دولي حيال قضية من القضايا في أي منطقة أو دولة من عالمنا الفسيح ؟ وبمعنى أوضح : هل يوجد معايير واضحة ومنصوص عليها لا تخضع للاجتهاد ، ولا ترضخ للمصالح الشخصية لأي دولة عضو في مجلس الأمن ، أم أن ثمة اتفاقا ضمنيا بين الدول الخمس الكبرى المُشكلِّة لهذا المجلس بأن هناك خطوطاً حمراء لكل دولة – ترتبط بمصالحها – تذبل عندها كل القيم التي يدعي مجلس الأمن أنه حارس لها؟
إن الصمت المدوي حيال الموقف السوري يجعلنا نتوقف قليلاً ، ونُفكِّر كثيراً في مصداقية مجلس الأمن الدولي ـ آنيِّاً ومستقبلاً - مع قضايا الشعوب المغلوب على أمرها من حكامها وأنظمتهم الفاسدة التي جثمت على أنفاسها عقوداً من الزمن ، واستنزفت مُقدراتها الوطنية ، وصادرت حرياتها الشخصية ، وسفكت دماءها الزكية ، وللأسف كل هذا يحدث في سوريا على مرأى ومسمع من العالم ، وتنقله الفضائيات على الهواء مباشرة ؛ وكأن هذا الشعب الثائر في وجه الطغيان لا قيمة لإنسانيته ، ولا تقدير لكفاحه المستميت لإزالة الظلم عن كاهله ، والبحث عن حياة كريمة آمنة لا تُنغِّصُها اقتحامات مفاجئة ، ولا اعتقالات عشوائية ، ولا استفزازات استخباراتية بين الفينة والأخرى .
لقد وصل السيل الزبى في سوريا ، والجميع يبحث عن آليِّات لمُخرَج من هذا المأزق ، فالعرب فشلوا في حلها عربياً ، وحزموا حقائبهم للذهاب يوم غدٍ الاثنين إلى نيويورك لتسويق مبادرتهم دوليِّاً ، والغرب لا زال يعمل على بلورة آليته التي سيتقدم بها مُجدداً لمجلس الأمن بعد أن فشل في إقناع روسيا والصين في السابق وكأن ما يحدث على الأرض في سوريا لا يُعد عنفاً ، وروسيا تدَّعي انفتاحها على كل الحلول السلمية وترفض استخدام العنف ، وأمام التداعيات السلبية لهذا المُثلث ذي الأضلاع المُتهالكة ؛ ضاع شعب بأكمله .
[email protected]
التعنُّت السوري دافعه الصمت الدولي
تاريخ النشر: 29 يناير 2012 03:18 KSA
يُمارِس المُجتمع الدولي المؤثر – بالطبع – في تغيير مُجريات الأحداث صمتاً رهيباً حول تداعيات الأوضاع المأساوية في سوريا ، والمُتتبع لمواقف هذا المُجتمع خلال ثورات الربيع العربي يجد تبايناً غريباً في آ
A A


