Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

فارق بين التعدي على الأراضي والملكيات الموروثة

ورد في خبر نشرته جريدة المدينة يوم الأربعاء 30/3/1433هـ الموافق 22/2/2012م أن وكيل إمارة منطقة مكة المكرمة ترأس اجتماعا في رابغ لعدد من المسؤولين في ضوء توجيهات صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالع

A A
ورد في خبر نشرته جريدة المدينة يوم الأربعاء 30/3/1433هـ الموافق 22/2/2012م أن وكيل إمارة منطقة مكة المكرمة ترأس اجتماعا في رابغ لعدد من المسؤولين في ضوء توجيهات صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية لإمارة منطقة مكة المكرمة لإعداد دراسة شاملة عن أسباب التعدي على الأراضي والحلول الجذرية للقضاء على هذه الظاهرة.
وكنت قد كتبت في هذه الصحيفة بتاريخ 16/4/1432هـ الموافق 21/3/2011م تحت عنوان: «الأراضي الموروثة محل اختصاص لأصحابها»، معلقا على إقرار مجلس الشورى لمشروع لائحة مراقبة الأراضي الحكومية وإزالة التعديات مشيراً إلى أنه لابد له من تحديد معنى التعدي، وهل يعد من بنى أو زرع في أرض توارثها عن أجداده منذ قرون متعديا؟ وقد حسم هذا الموضوع مجلس الشورى في تلك اللائحة حين نصت فقرة (ب) من المادة الأولى بأن «الأراضي الحكومية هي الأراضي المنفكّة عن الملك والاختصاص، وتعد الأراضي المتوارثة أو المشمولة بوثائق إقطاع محل اختصاص لأصحابها حتى تثبت ملكيتها بصكوك شرعية»، وهذا اعتراف بأن الملكية المتوارثة محل اختصاص لوارثها، ويبقى الموضوع موضوع إجراءات لإصدار صك وفق ما صار التعارف عليه في زماننا، وهو أمر حضاري تنظيمي مثل شهادة الولادة والوفاة والزواج والطلاق، فهل من له اختصاص متوارث لأرض يعد متعديا؟!.
حُصرت الملكية في حجة الاستحكام أو المنح، ولم يكن القضاة يهملون دعوى من ادعى بملكية أرض موروثة إذا شهد الشهود ونصت على ذلك الوثائق الأهلية الموروثة، وبعد أن حصر التملك في الاستحكام أو المنحة برز كثير من المشكلات، ولن يحل الموضوع تجاهل الواقع في الملكيات الموروثة الذي كتب عنه المؤرخون وتوارثته الأجيال، وشهدت به الوثائق الأهلية، واستفاض بين السكان، ويشهد به الأعيان والشيوخ الذين كانوا يحلون ما يحصل من خلافات فيها بقوانين وأعراف في القرى والهجر قبل انتشار المحاكم إثر توحيد المملكة، وكان يحصل خلاف بين الناس، ولم يكن أحد يستولي على أرض أحد لاستفاضة الملكية بين السكان.
إن وَقْع كلمة (معتدٍ) على من استصلح أرضه الموروثة وقع كبير، فهو وارث وليس معتديا مثل أولئك الذين جاؤوا من مكان آخر وسوروا أرضا وهم ليسوا وارثين لها بل لم تطأها رجل جد أو أب لهم، ولابد من أن يُفرق بين هذا وذاك، وعدم الاعتراف بالأراضي الموروثة سهّل الدعاوى الكيدية التي شغلت المسؤولين.
كان مستفزا للمواطنين ما صرح به أحد مسؤولي أمانة جدة قبل عدة سنوات من أنهم لا يعترفون بالوثائق القديمة، فذلك يعني إلغاء تاريخ السكان الذين ورثوا تلك الأراضي جيلا بعد جيل منذ العهد الجاهلي، ومن لا يعرف التاريخ يأتي بالعجائب.
في كل المناطق الغربية من بلادنا من شمالها إلى جنوبها يقطن فيها الناس منذ قرون يزرعون ويسكنون ويبنون المناحل وجسور الرياض (المزارع) وحظائرها، وذلك في الجبال أما في الأودية والسهول فتوجد مزارع النخيل وأحيانا أراضٍ بَعْلية كما هو الحال في سهول الخبْت في رابغ وما حولها، ولذا إن كان مدعي الملكية ممن قطن تلك الأماكن من قرون فعليه الإثبات بالوثائق والشهود، وإن كان وافدا من منطقة أخرى فيُطالب بصك، وقبل سنوات أقامت وزارة المياه والكهرباء سد رابغ وطالبت السكان بصكوك لمزارعهم وإلا لن يعوّضوا، وكان منهم من حرث وزرع خلفا عن سلف، ومنهم من كان تقدّم بطلب صك وطالت إجراءاته في المحاكم، والأكثرون ما كانوا يتوقعون أن يأتي من ينازعهم ما ورثوه عن أهلهم.
إن الدراسة المطلوبة عن أسباب التعدي لابد أن تقرأ التاريخ، والوثائق، والاستفاضة بين السكان ومعرفة الأعيان والشيوخ، وأن تفرق بين من سوّر ومن ورث، أما تجاهل أساس الموضوع فلن يقدم حلا يعطي الناس حقوقهم ويقضي على المشكلة.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store