بربّكم أيُّها الفضلاء! لو كان دخول الشهر بالحساب الفلكي: أكان سيظفر بهذه التعبئة الإسلامية لاستقباله، والترقّب المهيب لوصوله .
نسمع هذه العبارات، وتردد في صياغات أسئلة متنوعة؛ إذ هي حديث النَّاس في ليلة قد تكون من رمضان، وقد لا تكون بحسب الرؤية، أي بين ما يمكن أن يكون آخر يوم من شهر شعبان، وما يمكن أن يكون أوّل ليلة من شهر رمضان، وهو وقت يسير، غير أنَّه وقت الذروة في الترقّب والتعبئة للحدث المهم..
وهو حديث لا يخلو من إثارة النفوس، وروعة الترقّب! فالكلّ (المؤمن والمسلم.. السابق بالخيرات، والمقتصد، والظالم لنفسه)، متأهب للخبر: الليلة من رمضان، أو ليست منه؟! نُصلّي التراويح، أو نوتر في المنزل؟! نصوم غدًا، أو لا نصوم؟! نُعِدُّ السحورَ، أو لا؟ يتحدّث الناس، وتُتَداول الأسئلة والأخبار، ولا يخلو الحديث من شائعة هنا أو هناك..
أجواء مشحونة بالتحرّي، والترقّب، والانتظار.. أناس تنتظر ميدان سباق بالخيرات، ومثلهم ينتظرون تصحيح المسار نحو خالقهم، أو سلوك الطريق إلى الله من جديد..
جوّ مشحون بالفرح بخبر يقول: الليلة من رمضان!
وآخر مشحون بالتوتر أحيانًا: هل أنا مستعد لبرنامج رمضان الشخصي الذي أعددته، فابدأ فيه جادًّا من أول لحظة؟ أو لدي بقايا أعمال كنت أتوقع أن أنهيها قبل دخول الشهر المبارك فبقيت؟ هل أتمها فهي لا تخرج عن أعمال الخير والقرب؟ أو أدعها إلى ما بعد رمضان؛ فثواني رمضان، ودقائق شهر القرآن، ليست كغيرها، فكيف بساعاته، ولياليه التي تزن إحداها ألف شهر! والموازنة بين فاضل ومفضول؟
في هذا الجو المشحون بكل هذه المشاعر وغيرها، يتأكد الخبر بإعلان ثبوت رؤية الهلال، وأن غدًا أول يوم من أيام شهر رمضان، فتنطلق التهاني والتبريكات.. أو يتأكد الخبر بعدم رؤية الهلال، ومن ثم إكمال شعبان ثلاثين يومًا، ويتأكد في ذات الخبر إعلان أول يوم من رمضان في ذات الخبر..
بربّكم أيُّها الفضلاء! لو كان دخول الشهر بالحساب الفلكي: أكان سيظفر بهذه التعبئة الإسلامية لاستقباله، والترقّب المهيب لوصوله، والتحرّي المشدود لدخوله؟ هل ستظهر حكمة الترقب بوصفها إحدى الحكم الشرعية في تعليق الصوم، وربط الحكم برؤية الهلال؟!
لعل التفاتة إلى قصة الكسوف والخسوف، والإصرار على إعلانه قبل وقوعه في تسابق الفلكيين -لعمليات صار يقوم بها الحاسوب- تكشف كيف أثّر الإعلان في التعبئة الإيمانية للحدث العظيم في ميزان الكون الذي خلقه الله..
(صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته؛ فإن غمّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)!
إنَّها الرؤية! لا الحساب.. الرؤية التي علّق الشارع بها دخول الشهر، ولزوم الصوم.. وخروج الشهر، ولزوم الفطر.. وبكل وضوح: (إنَّنا أمَّة أميّة لا نحسب)؛ فالحساب موجود، لكن الشارع لم يربط به الحكم.. الشارع تعبدنا بالرؤية، وله في ذلك حكم ولا بدّ.. فالترائي عبادة، والرؤية يسر، سهل تطبيقها، وهكذا جاء النص في خاتمته: (فمَن شهد منكم الشهر فليصمه.. يريد الله بكم اليسر)، ومن اليسرِ يسرُ دليلِ وقوع العبادة، وهو هنا (الرؤية) فإن لم تمكن فبديلها (إتمام شعبان ثلاثين)..
وفي ظني : لو كانت (الرؤية) إحدى العادات الغربية، أو حتى الطقوس الدينية عند الإفرنج، لجعلوا لها من أسباب المحافظة عليها، والتحدث عنها، والافتخار بها، ما يجعلها محل تغطية من وسائل الإعلام لديهم.. وقطعًا سيتبعهم حينها مَن يتبعهم من الإعلام العربي المقلِّد المولع بالصيحات والعوائد الغربية.. بل ربما تصدّى بعض كتّاب الإعلام العربي، وتصدّت بعض وسائله، لنقد أي (إسلاموي!) ينتقد تلك العادات الغربية التي تنم عن حضارة الإفرنج ومشاعرهم تجاه تاريخ أمتهم وعنايتهم بعوائدهم... إلخ.
وعودًا على بدء.. أليست رؤية الهلال موضوعًا شرعيًّا؟ فما شأن غير الشرعيين به؟ بلْه غير الإسلاميين؟
وإذا كانت الرؤية عبادة، فأي مجال للاجتهاد في استحداث أدلة وقوع غير الأدلة المنصوصة، والقاعدة في العبادات التوقيف؟ وكيف إذا كان هذا الاستحداث مخالفًا لإجماع الأمّة؟!
"يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر. فمن شهد منكم الشهر فليصمه"، (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته...) نصوص شرعية، فلا عبرة بما يخالفها..
أمّا افتعال إشكال في وجود خلاف بين البلدان في الصوم إذا ما كان المعوّل عليه الرؤية؛ فهو من عجيب أمر بعض الناس ممّن يتحدثون عن التعددية -حتى الدينية- ثم يضيقون ذرعًا بتعدّد فقهي مشروع!
اللهمَّ بلغنا رمضان، واجعلنا ممّن يصومه ويقومه إيمانًا واحتسابًا، ووفقنا فيه لما يرضيك عنّا من أعمال الخير، وبلّغنا برحمتك عظيم الأجر..
رؤية الهلال وترقب الليلة الأولى من رمضان
تاريخ النشر: 20 يوليو 2012 04:01 KSA
بربّكم أيُّها الفضلاء! لو كان دخول الشهر بالحساب الفلكي: أكان سيظفر بهذه التعبئة الإسلامية لاستقباله، والترقّب المهيب لوصوله .
A A


