Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

عيــد سعيــد

تحتفل الأمة الإسلامية في هذا اليوم بأحد أعيادها التي أقرها الدين الإسلامي الحنيف للعباد فرحة وبهجة بعد أن منَّ الله عليهم بصيام وقيام شهر رمضان المبارك ، وفي صباح هذا اليوم السعيد تتوزع المكارم من الل

A A
تحتفل الأمة الإسلامية في هذا اليوم بأحد أعيادها التي أقرها الدين الإسلامي الحنيف للعباد فرحة وبهجة بعد أن منَّ الله عليهم بصيام وقيام شهر رمضان المبارك ، وفي صباح هذا اليوم السعيد تتوزع المكارم من الله - سبحانه وتعالى - على عباده فمنهم من هو مقبول – جعلنا الله وإياكم منهم - ، ومنهم من هو مردود - والعياذ بالله - ، وفي هذا اليوم أيضاً يرتفع التكبير – حمداً وشكراً – للمولى - جلت قدرته - على أن بلغهم إياه وهم في صحة وعافية ، وفي هذا اليوم – أيضاً – ترتقي الأنفس لتعانق عُباب السماء متجاوزة حدود البغضاء الضيِّقة ، واضعة حداً فاصلاً للقطيعة المقيتة ، فاتحة صفحة جديدة يلتحفها البياض ، حروفها مكتوبة بمداد التواصل ، ومضمونها يُرسخ ما ينبغي أن يكون عليه التآخي الحق .
إن مناسبة عظيمة كهذه لا بد أن نتوقف عند الحكمة من مشروعيتها ؛ فهي باب من أبواب التكافل الاجتماعي الذي يُعد مبدأً من مبادئ ديننا المجيد ؛ فقبل الشروع في أداء شعيرتها الكبرى فرض الله علينا أداء زكاتها التي من خلال إخراجها نُحقق جزءاً من مشروعيتها ، فالفقير ينتظر مشاركة الغني له في فرحته ، والغني مُعنيٌ بالتخفيف عن الفقير في محنته ، فتحقيق هذه المعادلة تجعل التراحم والتعاضد بين المسلمين واقعاً ملموساً ، وشاهداً على عظمة الدين الإسلامي ، ناهيك عن قيام الناس – رجالاً ونساء صغاراً وكباراً – بشعيرة خفتت طوال العام ، وجاءت هذه المناسبة المباركة لتُعيد لها ألقها وحضورها الطاغي على إذابة كل الخلافات ، ونبذ الفُرقة بين الأقارب والأصدقاء ، ألا وهي صلة الرحم التي قال عنها الرسول – صلى الله عليه وسلم - : « صلة الرحم مُعلَّقة بالعرش من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله « ، فأيام العيد البهيج فرصة سانحة لتبادل الزيارات بمدلولها الشرعي الذي يحث على المبادرة دون انتظار الرد ، وهذه من سماحة الإسلام التي هي رأس الإسلام كما وصفها الطاهر بن عاشور في كتابه : مقاصد الشريعة الإسلامية .
إلا أن المُتتبع لخط سير هذه الشعيرة الكريمة في السنوات القليلة الماضية يلحظ تحولها عن مسارها الصحيح جراء دخول وسائل التقنية ساحة التواصل , فمع أهميتها بل وضرورتها إلا أنها طغت على التواصل الحقيقي الذي يجب أن يكون في مثل هذه الأيام ، وكأني بلسان حالهم يقول : أنا أرسلت لك بطاقة تهنئة ، وكأنه بهذا الفعل يتمنن على الآخر بها ، بل ويجعلها سقفاً أعلى للصلة ، فالوصول إلى هذا المستوى من العلاقة – حتماً – يُنذر بخطورة في الفهم العميق للحكمة من صلة الرحم ، ويعكس بُعداً سلبياً لتطورها ، ناهيك عن إنكفاء الأسر على بعضها في الاستراحات التي عزلت الأسر بمفهومها الشامل عن مُحيطها الاجتماعي ، فهُجرت البيوت ، بل خليت أثناء أيام العيد ؛ وكأنها لجيل لم يُخلق بعد ، أو لجيل اندثر ولن يعود ، قد يقول قائل إن الاستراحات تؤلف بين أبناء الأسرة الواحدة ، وهذا منطق مقبول جزئيًّا ، لأنه على حساب التآلف المجتمعي ككل ، فبعد أن كان أبناء المجتمع يتزاورون انكفأت الأسرة الصغيرة على ذاتها ، وتساقطت الحكم العليا من شعيرة العيد المتمثلة في صلة الرحم ، وتفقُّد الفقراء والأيتام والإحسان إليهم.
كل ما أتمناه في هذا العيد السعيد أن يؤلف الله بين القلوب المتنافرة ، ويُعزز القلوب المتحابة في الله ، وأن يُعيده على الوطن الغالي وقيادته الحكيمة وشعبه النبيل بكل خير وعزة ورفعة ومنعة – إنه سميع مُجيب – وكل عام وقرائي الكرام بألف خير .
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store