Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

يوميات فتاتين يهوديتين

آن فرانك، وراشيل كوري: فتاتان يهوديتان، الأولى ألمانية، والثانية أمريكية، يجمع بينهما أكثر من قاسم مشترك، تمثَّل في أن كلاً منهما كتبت يوميات تحوّلت إلى مأساة، كان لها تأثيرها البالغ على الرأي العام ا

A A
آن فرانك، وراشيل كوري: فتاتان يهوديتان، الأولى ألمانية، والثانية أمريكية، يجمع بينهما أكثر من قاسم مشترك، تمثَّل في أن كلاً منهما كتبت يوميات تحوّلت إلى مأساة، كان لها تأثيرها البالغ على الرأي العام العالمي، وأن تلك المذكرات كُتبت بلغة أدبية راقية، واكتسبت أهمية توثيقية، وأن كلاً من الفتاتين قضت في ريعان الصبا بيد عدو للبشر، يتّصف بالانحطاط الإنساني والوحشية والعنصرية: النازية في الحالة الأولى، والصهيونية في الحالة الثانية. هنالك بالطبع قواسم مشتركة أخرى كثيرة مثل أن الفتاتين اعتبرتا محورًا للعديد من المسرحيات والأعمال الفنية، وأنهما شغلتا الرأي العام العالمي -ولا تزالان، بالرغم من مرور حوالى ثلث قرن في حالة آن فرانك، وحوالى عقد في حالة راشيل- لكن الفارق الوحيد بين الاثنتين أن اللوبي اليهودي في حالة آن فرانك اعتبرها بطلة قومية لا تقل عن استير ودبورة وسالومي، فيما اعتبر راشيل فتاة عادية قضت نتيجة حادث سببته لنفسها عندما وضعت نفسها في مارس 2003 خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية درعًا بشريًّا في رفح بين جرافة عملاقة تابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي، وبين منزل كانت تلك الجرافة تنوي هدمه، فدهستها الجرافة دون شفقة، وسحقت عظامها، ووصلت المأساة إلى ذروتها عندما أصدرت محكمة حيفا صك براءة في حق الجيش الإسرائيلي الأسبوع الماضي، وقضت بأن تدفع أسرة راشيل تكلفة المحاكمة بالرغم ممّا ثبت من أن الحالة لم تكن حالة حرب، حيث كان مسرح الجريمة خاليًا تقريبًا، وحيث ثبت أن راشيل كانت ترتدي سترة حمراء، وتحمل مكبرًا للصوت في احتجاجها على أوامر هدم المنزل الفلسطيني.
نستطيع أن ندرك بعدًا خطيرًا في المأساة في الحالتين، حيث يبدو من الواضح أن تعامل أجهزة الإعلام الصهيونية في الحالتين لم ينطلق من منطلقات أخلاقية عندما عمل على تزوير الحقائق بشكل صارخ. وهو الأمر الذي يتضح بشكل أكبر في حكاية يوميات آن فرانك، التي تحكي قصة هذه الفتاة ذات الثلاثة عشر عامًا التي قضت هي وأسرتها في نهاية الحرب العالمية الثانية في معسكر اعتقال نازي في هولندا، ولم ينجُ من الأسرة سوى والدها، ليجد أن مذكراتها خلال الاعتقال تم حفظها في صندوق سري، فعمل على نشرها عام 1947. وقد تم ترجمة اليوميات من الهولندية عام 1952 تحت عنوان: "يوميات فتاة شابة"، ثم ترجمت بعد ذلك إلى معظم لغات العالم، وهي تروي حياتها منذ 12 يونيو 43 حتى 11 اغسطس 44.
كل هذه الضجة الإعلامية والتعاطف العالمي الواسع مع آن فرانك جاء بالرغم من اعتبار العديد من المؤرخين أن المذكرات مزيفة، وعلى رأسهم المؤرخ البريطاني الشهير دافيد إرفنج الذي ينتمي إلى نفس نوعية المؤرخين البريطانيين النزيهين أمثال أرنولد توينبي وهنري بريستيد. فقد ذكر إرفنج الذي حكمت عليه محكمة نمساوية بالسجن قبل بضع سنوات لإنكاره المحرقة أنه بدأ يعتريه الشك في حقيقة ما إذا كانت آن فرانك هي التي كتبت اليوميات بنفسها، عندما قرأ مقتطفات منها تدل على أن من كتبها يتجاوز سنه الثالثة عشرة بكثير. لكن أوتو والد فرانك الذي أصبح من أثرياء اليهود بعد نشر مذكرات ابنته أضفى مزيدًا من الشك عندما اعترف لاحقًا أن المذكرات لم تكتب كلها بيد ابنته، وأنه تم (تجميلها) من قبل آخرين!.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store