Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

التاريخ ضحية الدراما

سألني أحد أصدقائي المتحمسين دوما لمتابعة المسلسلات التلفزيونية التاريخية، عن سبب إحجامي عن متابعة مثل هذه الأعمال، فقلت له بكل اختصار: عندما يقوم صناع الدراما بتقديم عمل درامي يقدم السيرة الذاتية لأحد

A A
سألني أحد أصدقائي المتحمسين دوما لمتابعة المسلسلات التلفزيونية التاريخية، عن سبب إحجامي عن متابعة مثل هذه الأعمال، فقلت له بكل اختصار: عندما يقوم صناع الدراما بتقديم عمل درامي يقدم السيرة الذاتية لأحد نجوم الفن، كما هي ودون محاولة تصوير الشخصية وكأنها بلا عيوب أو أخطاء أو نقاط ضعف حالها حال جميع البشر، فإنني أعدك بأنني سأكون من أوائل المتابعين لأي دراما تلفزيونية تتخذ من حقبة تاريخية ما أو سيرة ذاتية لأحد رموز التاريخ سواء المعاصر أو الحديث، موضوعا لها.
الحديث عن التاريخ يحتاج إلى عقلية نقدية، وفكر قائم على التجرد والموضوعية، وشجاعة أدبية تضع تحري الحقيقة وتوثيق الوقائع التاريخية المتفق عليها، فوق كل اعتبار.
تناول التاريخ يحتاج إلى التجرد والتحرر من الانطباعات والأحكام المسبقة التي قد تصطدم في بعض جوانبها مع الثقافة التلقينية العامة ، وتتناقض في بعض أجزائها مع الوجدان الجمعي والمخيلة الشعبية. وهو ما يستلزم نفي العصمة عن الأشخاص وتقبل أخطائهم والتعامل معها باعتبارها أمراً منتظراً وقوعه من البشر أيا كانت مكانتهم.
العقلية التجريدية تستدعي التخلي عن الأدلجة عند معالجة التاريخ، والتخلي عن الأدلجة تتطلب التخلي عن الأهواء التي تدفع القائمين على هذا النوع من الدراما في العالم العربي، إلى تغيير بعض الوقائع الثابتة أو تجاهلها حتى ولو كانت على درجة شديدة من الأهمية. وتجاهل الوقائع الثابتة والمتفق عليها لا يختلف أبدا عن تزييف الوقائع أو حتى اختلاقها.
ثقافة تقديس الأشخاص هي التي تحول بيننا وبين تقديم رؤى مهمة وصادقة وجريئة للشخصيات التاريخية. بل إن هذه الثقافة تحول بيننا وبين رؤية نجوم الفن الذين يمتلكون قاعدة جماهيرية ضخمة
، بوصفهم بشرا عاديين. لا أتحدث هنا عن فنانة بحجم أم كلثوم والمسلسل التلفزيوني الذي تناول سيرتها ومنحها صورة مثالية هي أقرب للبوتوبيا منها إلى الواقع.. كما أنني لا أتحدث عن عبد الحليم حافظ الذي يقل من حيث المكانة الفنية عن أم كلثوم وتفصله عنها مسافة كبيرة.. إنني أتحدث هنا عن مسلسل ( الشحرورة ) الذي تناول سيرة المغنية صباح، وعن مسلسل ( السندريلا ) الذي تناول سيرة الممثلة سعاد حسني.. وهما فنانتان مجيدتان لكنهما لا يرقيان من حيث قيمتهما الفنية ومكانتهما في وجدان الجمهور، إلى عشر معشار ما تحظى به أم كلثوم أو فيروز، ومع ذلك فإن المسلسلين المذكورين قدماهما وكأنهما بلا عيوب، إلا إذا اعتبرنا النقاء والبراءة والإفراط في الطيبة، من ضمن العيوب!
فلنعترف أننا لم نصل بعد إلى مرحلة النضج المطلوبة التي تمكننا من التعامل مع التاريخ كما هو، أي بحسناته وسيئاته معا.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store