لم يكد العالم الإسلامي يهدأ نسبياً من ردود الفعل المتزنة والأخرى العنيفة احتجاجاً على الفيلم الهابط الذي استهدف الإساءة إلى خير وأطهر خلق الله محمدٌ صلى الله عليه وسلم، وكان من بين تداعيتها مهاجمة الجماهير الغاضبة لسفارات عدد من السفارات الأجنبية وموت العشرات من المتظاهرين في صدامات قاسية مع قوات الشرطة في مصر والسودان واليمن والأردن وفي عدد من دول العالم الإسلامي الأخرى، وكذلك مقتل السفير الأمريكي وعدد من الدبلوماسيين في السفارة الأمريكية بليبيا، وقيام امرأة في أفغانستان بتفجير نفسها وقتل العديد من القوات الأجنبية الغازية في أفغانستان دفاعاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين، فوضى تكاد تستجر المنطقة إلى المزيد من الحروب والويلات، وصدام الحضارات، ولا تلقى المبادرات الإسلامية لوضع حلول وقوانين تمنع التطاول على الأديان من ساسة الغرب أي تجاوب حقيقي قد يفضي إلى تقلص، ولا أقول إنهاء المشكلة من جذورها.. مثلاً فقد اكتفت الإدارة الأمريكية بالتعليق على الفيلم الدنيء المسيء الذي تولى كبر إخراجه عصابة من الأمريكيين اليهود والصهاينة وبعض من يُسمّون بأقباط المهجر، بأنه مُقرف، لكنها أعلنت عجزها عن فعل شيء بشأنه أو بشأن المخرجين والممثلين لتعارض ذلك مع حرية الكلمة بزعمهم؟!.
تجاوب مع دناءات وفحش الفيلم الأمريكي من هم على نفس الشاكلة من البذاءة والفحش من الفرنسيين، إذ قامت مجلة «تشارلي ابدو» الفرنسية الأربعاء الماضي بنشر صور كاريكاتورية عارية وساخرة من نبي الأمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، وكما في الحالة الأمريكية قام السياسيون الفرنسييون بالدفاع المستميت عن الحقد الأسود والكراهية المتجذرة والعفن الأخلاقي المبثوث في الرسوم المشار إليها باسم حرية الكلمة. وبدلاً من أن تقوم فرنسا باتخاذ إجراءات حازمة لاحتواء فعلة سفهائها وتداعياتها مع العالم الإسلامي؛ شدَّدت الإجراءات الأمنية على مقر الصحيفة، وعلى مسجد باريس، وفي الخارج بإقفال سفارتها الجمعة الماضي في عشرين دولة مسلمة، خشية غضبة أخرى للمسلمين، وما أغرب هذه السياسة إذا ما أخذ بعين الاعتبار أن فرنسا بالذات قد سنّت قوانين تؤدي بالسجن للمنكرين لما يُسمّى بمحرقة اليهود «الهلوكوست»، واعتبار ذلك جريمة كراهية دينية؟!.
لكن ما حقيقة الأمر، هل هي عداوة متأصلة للحضارة الإسلامية ورموزها أم أنه قناعات «بقيم» الحضارة الغربية التي أصمّوا آذاننا بترداد اسطوانتها المشروخة. قيم الحضارة الغربية وعلى الرغم أن من مكوناتها مفاهيم من اليهودية والمسيحية المحرفة فإن مكونها الرئيسي هي مفاهيم الوثنية الموروثة عن الحضارة اليونانية ذات الأفكار الشركية، التي خرقت للعالم إلهة كثيرة مع الله تعالى فلكل شيء عندهم إله، فذاك بزعمهم إله للحرب، وذاك إله للحب، وآخر للمطر... إلخ، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، فليس غريباً أن يكون في مخزونهم الثقافي عداوة متأصلة ضد عقيدة التوحيد التي يعتنقها المسلمون. والغربيون ورثوا أيضاً من الحضارة اليونانية والرومانية ثقافة العري والتفسخ الأخلاقي كما تُظهر ذلك الرسوم التاريخية والتماثيل التاريخية اليونانية منها والرومانية، وحتى على جدران بعض دور العبادة، ولذلك هم يكرهون المترفعين والمتطهرين، ويحاولون رمي الآخرين بنفس النقيصة، من هنا يفهم تركيزهم على الأكاذيب الجنسية وعلى العري عندما يحاولون النيل من رموز الإسلام. كما أن الحضارة الغربية قد ورثت عن الإمبراطورية الرومانية وبعض تحريفات التوراة الاستعلاء على الآخرين وما يُسمَّى بالخصوصية الأمريكية مثلاً وازدواجية تطبيق المعايير والقيم على الغربيين وغيرهم، فالغربيون متحضرون ولو توحشوا وأوغلوا في القتل واستخدموا أسلحة الدمار الشامل، بينما العربي والمسلم (مع الاعتراف بوجود مجرمين من بينهم) متوحش وإرهابي مهما كانت سلوكياته حضارية ورحيمة.
وما لم ينظر لسلسلة الإهانات للإسلام والمسلمين من منظور شمولي يستهدف القائمين عليه، من المتطرفين الغربيين من الليبراليين الجدد واللوبي الصهيوني واليمين المتصهين المسيحي، افتعال حادثة أو حوادث عنفية كبرى تُبرِّر هجمة غربية كبرى على العالم الإسلامي، فسيبقى المسلمون مجتمعات ودول يُراوحون مكانهم بردود فعل غير متّزنة على كل محاولة. والمطلوب وقفة إسلامية عربية كبرى تمثل المليار ونصف المليار مسلم على صوت رجل واحد من خلال المنظمات الإسلامية لتجريم ازدراء الأديان وإلا فلن ننال إلا المزيد من الهوان، ونشر الفتن والخلافات فيما بيننا في كيفية الدفاع عن مقدساتنا.
الإساءات الغربية إشعالٌ لفتيل صراع الحضارات
تاريخ النشر: 22 سبتمبر 2012 04:48 KSA
لم يكد العالم الإسلامي يهدأ نسبياً من ردود الفعل المتزنة والأخرى العنيفة احتجاجاً على الفيلم الهابط الذي استهدف الإساءة إلى خير وأطهر خلق الله محمدٌ صلى الله عليه وسلم، وكان من بين تداعيتها مهاجمة الج
A A


