كما هو الحال عند معظم القبائل الرحّل يعيش البدو في الخيام، وتتجمع مساكنهم في مجموعات صغيرة ومتناثرة.. والخيمة لا تعني سكن البدو فحسب، وإنما هي رمز لحياة حرة وطليقة، ورمز لكرم أصيل حتى عند الذين هجروا حياة البداوة.

“المدينة” قامت بجولة في بادية شهران، لتتعرف على حياة أهلها وسكانها، وماهي علاقتهم بالحياة الحديثة، التي يمارسها المواطنون على مرمى حجر منهم. فتبدو الحياة هناك كأنها ركبت عجلة الزمن عائدة للوراء.

للوصول إلى مواقع فرقان البدو كان علينا أن نعبر مناطق وعرة، ونسلك طرقاً غير معبدة.. وعند اقترابنا من مواقع الفرقان تهرب الماعز مذعورة من اقتراب السيارة التي تقلنا وتتجمع في مكان بعيد، كما تهرب الراعية خائفة لتختفي خلف مجموعة أشجار السلم، أما الجمال فقد صدرت منها أصوات تنم عن استياء تام وترفع وتلتفت نحو السيارة بنظرات متعالية.

بدت لنا الخيام وهي منصوبة على بحار الرمال البيضاء كخفافيش عملاقة مثبتة على الأرض، يلفها صمت عميق. بعيداً عن الأجواء الصاخبة والمظاهر الحضرية.. إننا الآن على ضفاف بلاد شهران.

بلاد شهران

على الطرف الجنوبي من أصقاع وادي تثليث، حيث الجبال والوهاد. فارتفاع كتلة الجرانيت اقل من مائة قدم عن مستوى السهل، ولكن يمكن أن تلمح من اعلاها بعض خيام الخدر.. بدو رحل من قبيلة شهران.

الناس هنا بؤساء، ولكنهم ودودون، فعند مدخل الخيمة تجد النار دائما لصناعة القهوة، والنار هنا رمز للحياة الاجتماعية والاستعداد لاستقبال الضيوف. وعلى تلك النار توضع الدلة وغلاية الماء، وبجانبها نلاحظ الهاون ويده وأدوات تقليب الجمر وتحميص البن.

استضافنا محمد علي الشهراني داخل خيمته، حيث استهوانا الجلوس فيها لتناول القهوة العربية، حيث وجدنا الخيمة مفروشة بالأبسطة والمفارش المعدة لجلوس الزوار، والتي تعتبر مؤشراً للثراء والمكانة الاجتماعية.. كما شاهدنا البندقية المعلقة على أحد الأعمدة لتؤكد لنا روح الماضي التي مازالت متقدة في نفوس البدو.

بئر ابن سرار

بعد الضيافة انطلقنا نحو الشمال من وادي تثليث حتى توقفنا عند هضبة قليلة الارتفاع تسمى هضبة شهلة، وهي تتألف من صخور شفافة بيضاء ضاربة للزرقة، فيها حواجز من البازلت الذي يشبه الصخر الأردوازي.

وصلنا بئر ابن سرار، حيث عزمنا على المبيت هناك، حيث يوجد بئران، الأولى جافة تماماً، رغم أن قطر فوهتها العظيمة يبلغ 15 قدماً تقريباً، وهي مبطنة بالحجارة، والثانية أقل اتساعاً من الأولى، ويصل قطر فوهتها إلى أربعة أقدام، وهي مدعمة بالحجارة ويوجد فيها قليل من الماء، وقد أنشئت هذه البئر كما أخبروني ببساطة في عام الفيل.

وبالفعل يزداد انحراف طريق الفيل ابتداء من هذا المكان نحو الجنوب الشرقي لتقطع وادي هرجاب عند بئر تدعى بئر عليان، ومن ثم تمتد عبر الصحراء بعيداً عن هذه البلاد النجدية الوعرة.

والشيء المدهش في الترحال في صحراء المرتفعات العربية، هو أن المرء قد يجد نفسه عند وصوله لواحدة من مناطق الواحات الخصيبة في أرض مليئة بالأدوات والمعدات التي تدل على حضارة عريقة متقدمة.. وقد كانت كل تلك المناطق تقوم على قاعدة ثقافية واحدة، ولكن لكل منها خصائصها أو شخصيتها التي تميزها عن مثيلاتها.

ثراء ثقافي

فلكل جزء من الوطن عاداته وتقاليده وموروثاته الخاصة به، وقد تتشابه بعض تلك الموروثات في بعض المناطق، وقد تنفرد إحدى المناطق بموروثات وتقاليد خاصة بها لا يشاركها فيها احد، ومن ذلك مثلا الشعر العامي الارتجالي والذي يقال في العرضات والألعاب الشعبية في المنطقة الجنوبية، فهذا الشعر يخضع لقواعد وطرق نظمية وبحور معينة لا نجدها تستخدم في مناطق أخرى.حيث كان الشعر العامي في المسامرة القمرية معتمد اعتماداً كلياً على ما يسمى “بالجناس” في علم البلاغة العربية، فتجد هؤلاء البدو يتفننون بأسلوب عجيب في إبراز الجناس في قصائدهم حتى أن السامع للوهلة الأولى يعتقد ان الشاعر يكرر الكلمات نفسها في قصيدته ولكن بعد تأمل لمعناها يجد ان هناك فناً راقياً، لذلك قلما تجد قصيدة لشاعر متمكن لا يطرزها الجناس ويضفي عليها رداءه الجميل. قضينا ليلتنا في ضيافة الحي حول النار بالسمر والشعر، وحينما جاء الصباح احضروا لنا الفطور من الحليب وخبز التنور. ثم اتجهنا في بلاد جرداء ووعرة المسالك تكثر فيها الاخاديد بفعل الفيضانات.. حيث قابلنا الرعاة مع أغنامهم التي اعتبرت وجودنا إشارة على قرب مضاربهم.. وكانت النساء الراعيات ينتشرن في الطريق ويقدمن بطيب خاطر، وبكرمهن الأصيل، حليب الماعز لكل من سأل .