سألني صديق عزيز عما كنت أرمي إليه عندما قلت في مقالي قبل يومين: «إن جلد الذات هو حيلة نفسية يلجأ إليها الجبناء والمنافقون للتهرب من تحمل مسؤولياتهم الفردية عن تغيير الواقع»، سألني الصديق الكريم: ما هي طبيعة المسؤوليات الملقاة على الأفراد في حالة تعرض الأمة للهزيمة، وما هي طبيعة الأدوار التي يجب أن يضطلعوا بها في مثل هذه المراحل؟!
ولأن السؤال جد مهم ويُلامس جوهر القضية، فإنني لا بد وأن أُوضِّح قبل كل شيء، أنني كنت أقصد بكلامي، النخبة الثقافية والإعلامية، باعتبارهم -شئنا أم أبينا- قادة وصناع الرأي.
من هذا المنطلق فإنني أجد أن جلد الذات هو أسوأ عمل يمكن أن تقوم به النخبة في مرحلة الهزيمة السياسية أو العسكرية أو الحضارية. إنه أسوأ أنواع التضليل، لأنه يستهدف تدمير الإرادة ذاتها ولا يقف عند حدود تدمير الوعي فقط. والإنسان بلا إرادة يفقد أهم عناصر وجوده فلا يعود مهتما بالكرامة أو العزة أو الشرف أو القيم.. بل إن الحال قد يصل به إلى ما هو أسوأ من كل ما سبق، حيث يفقد غريزة البقاء ذاتها.. وهو ما يمكن أن يحدث فعلا لو أصبح جلد الذات سمة من أبرز سمات الخطابين الثقافي والإعلامي.
إن الواجب على النخبة هو تشخيص الواقع وتوعية الجماهير واستنهاض الشعور بالمسؤولية لديهم عن طريق تعميق العقلية النقدية من ناحية، والتوعية بمخططات العدو من ناحية أخرى. لكن هذا الخطاب النقدي العقلاني بدأ يضيع وسط سيطرة خطاب جلد الذات الذي أفرز عبارات وشعارات كفيلة بتدمير آخر أثر للإرادة مثل: (العرب ظاهرة صوتية).. (العرب حالة ميئوس منها).. (العرب هم أعداء أنفسهم).. (العدو الخارجي وهْمٌ ليس له وجود).. (لا أحد يحيك لنا المؤامرات سوى أنفسنا).. وغيرها وغيرها من الضلالات التي تستخدم جلد الذات كأسلوب لتدمير إرادة الأمة.
إن العقلية النقدية التي يتوجب على النخبة ترسيخها، تختلف عن نزعة الانتقاد السلبية التي إذا ما تضخمت تتحول إلى أداة لإصدار الأحكام الإطلاقية.. أي غير الموضوعية. وهذا هو الحل الأسهل الذي أشرت إليه في مقالي المنشور قبل يومين حول ظاهرة جلد الذات.
النخبة هي المسؤولة عن وجود هذه الظاهرة.
عن جلد الذات مرة أخرى
تاريخ النشر: 31 أكتوبر 2012 00:27 KSA
سألني صديق عزيز عما كنت أرمي إليه عندما قلت في مقالي قبل يومين: «إن جلد الذات هو حيلة نفسية يلجأ إليها الجبناء والمنافقون للتهرب من تحمل مسؤولياتهم الفردية عن تغيير الواقع»، سألني الصديق الكريم: ما هي
A A


