من المقولات التي أتوقف أمامها متأملا مندهشا، تلك المقولة للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: (( ألا وأن الدنيا لا يسلم منها إلا فيها ))!
هذه العبارة العجيبة وردت في معرض تحذير الإمام علي من الدنيا ضمن إحدى خطبه! ومع ذلك فإن العبارة توحي بالتمسك بالحياة الدنيا فكيف يمكن أن يجتمع النقيضان؟
إن الفلاسفة والحكماء والعارفين هم الذين يتجاوزون ما يبدو ظاهريا أنه تناقض بين الأضداد، لينفذوا إلى الحقيقة التي قضت بأن يكون النقيض جزءاً لا يتجزأ من تركيبة نقيضه.
بعيدا عن الكلام التجريدي وبالعودة إلى مقولة الإمام علي التي سقتها في بداية المقال، فإن الدنيا بمغرياتها وحقيقة كونها زائلة فانية، لا يمكن النجاة منها إلا بممارسة العمل الصالح فيها. أي أن النجاة أو السلامة من الدنيا مرهونة بالحياة فيها، فالعدم لا يكفل النجاة لأن المعدوم لا يحتاج إلى النجاة، باعتباره غير معرض للهلاك طالما أنه غير موجود من الأصل.
من ناحية أخرى قد يجد البعض أن العزلة أو الاعتزال سبب لتحقيق السلامة أو النجاة من الدنيا، وهذا ما تدحضه مقولة الإمام علي وتنسفه من أساسه. ذلك إن العزلة تحول بين المرء وبين ممارسة العمل الصالح، والجنة مرتبطة بممارسة العمل الصالح . كما أن العزلة لا تحول بين المرء وبين معاناته، ربما العزلة تخفف من أثر المعاناة في بعض جوانب الحياة، لكنها بالمقابل تخلق أسبابا جديدة وأبعادا وجوانب مختلفة للمعاناة والألم.
إن الابتعاد عن ملذات الدنيا غير المشروعة ومقاومة اغراءاتها التي كثيرا ما تقود الإنسان إلى الغواية، غايتان لا يمكن الوصول إليهما إلا عبر الانغماس في الدنيا نفسها بهدف إصلاح ما يمكن إصلاحه من شأنها.
بين النقيض والنقيض مسافة وهمية في كثير من الأحيان.
لا نجاة منها إلا فيها!
تاريخ النشر: 10 نوفمبر 2012 04:21 KSA
من المقولات التي أتوقف أمامها متأملا مندهشا، تلك المقولة للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: (( ألا وأن الدنيا لا يسلم منها إلا فيها ))!
A A


