Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

حول دعوى عدم تطبيق الشريعة بعد عهد الراشدين!(4-4)

u062du0648u0644 u062fu0639u0648u0649 u0639u062fu0645 u062au0637u0628u064au0642 u0627u0644u0634u0631u064au0639u0629 u0628u0639u062f u0639u0647u062f u0627u0644u0631u0627u0634u062fu064au0646!(4-4)

وليت المتخصصين في التاريخ الإسلامي، يُظهرون التاريخ القضائي الإسلامي برصد تراتيبه ووثائقه وتطور إجراءاته وآلياته

A A

وليت المتخصصين في التاريخ الإسلامي، يُظهرون التاريخ القضائي الإسلامي برصد تراتيبه ووثائقه وتطور إجراءاته وآلياته
كان المقال السابق إطلالة معتصرة على تاريخ تحكيم الشريعة في دول الإسلام التي توالت بعد عهد الخلافة الراشدة .. وبه وبما ذكر قبله يتضح أنَّ دعوى عدم تطبيق الشريعة الإسلامية بعد عهد الخلفاء الراشدين، دعوى باطلة يصح وصفها بالفرية، إذ يكذبها واقع القضاء على مرّ العصور الإسلامية كما أسلفت، ويردّها التاريخ بأخباره ووقائعه وأحداثه وطبقات الرجال من قضاته، ويقطع دابرها التفاتة عابرة إلى ضخامة التراث الفقهي الإسلامي الذي دَوَّن كثيراً منه قضاةُ الإسلام، حتى كان وصف القاضي من أظهر أوصاف الفقهاء فيما مرّ من الأزمان؛ بل وجدنا في تاريخ الفقه نُقلة في خدمة القضاء والقضاة، تتمثل في تدوينٍ فقهيٍ فيه شبه في شكله بالتنظيم والتقنين الحديث -تقريبا- للأحكام من غير إلزام فيما لا يشرع الإلزام به، وتميز بذلك أشهر مذهبين حكَم أتباعهما الدول الإسلامية السالفة، وهما المذهب الحنفي في المشرق والمالكي في المغرب، فلن يعسر على باحث منصف أن يرجع إلى كتبٍ من هذا النوع لبعض قضاة الحنفية من مثل: خزانة الفقه، لأبي الليث نصر بن محمد السمرقندي (ت/373)؛ وهو الكتاب الذي تبعه في ذات النهج مهذبا ومطوِّراً القاضي أبو الحسين علي بن الحسين السّغدي (ت/461)، في كتابه المنظّم: النتف في الفتاوى، وكان يذكر الآراء إن تعددت دون ترجيح ليُرَجِّح المتفقه والقاضي منها ما يراه راجحا؛ ولن يعسر على الباحث أيضا أن يطلع على ما جاء عند المالكية شبيها بذلك من مثل: أصول الفتيا في الفقه، لمحمد بن حارث الخشني (ت/361)؛ وقد كتبت في ذلك بحثا مستقلاً منذ مدّة.
وأما الحديث عن الكتب المصنفة في القضاء ونوازله فأمر من الظهور بمكان، حتى إنه لحري أن يعاب جهله على من يدعي ثقافة، بله طالب فقه؛ بل إنَّ استشعار حقيقة الجهل بهذه الحقائق، حمل د. خالد محمد خالد وهو من أشهر من أثار هذه الفرية إن لم يكن أشهرهم إلى التراجع عنها وعن علمانية الحكم، وكشف زيف الفكر المنحرف الذي دفعه إلى القول بها، وأصدر بكل شجاعة كتاباً سماه "الدولة في الإسلام"، أعلن فيه أنَّ الإسلام دين ودولة بلا مراء.
وما أعسر الحديث في إثبات الواضحات! ولمن قلّ اطلاعه على علوم أهل الإسلام وأراد تثقيف نفسه في هذا المجال حتى لا يمرِّر عليه الجائرون ظلمهم للتاريخ، ومكابرتهم لواقعه– يمكن الاطلاع على الكتب المتخصصة في نظام القضاء الإسلامي ومدارسه ومؤلفاته، وهي كثيرة جدا، ما بين مؤصّل مطوّل مثل: "القضاء ونظامه في الكتاب والسنة"، للدكتور عبد الرحمن الحميضي، وهو رسالة دكتوراه محكّمة؛ ووجيز كاشف للحقيقة بلغة الواقع، مثل : "دراسة في تاريخ القضاء الشرعي في الإسلام وتطوراته منذ عهد النبوة إلى عصرنا الحاضر"، للدكتور إبراهيم الربابعة، وإن شاء نوعا آخر من التأليف الكاشف لجهل المنكرين الموضِح لمكانة قضاة المسلمين، فليطلع على كتابٍ من مثل: أثر القضاء في الدعوة إلى الله تعالى دراسة تأصيلية وتطبيقية في العصر العباسي.
وقد سبق الإشارة إلى أن أصحاب هذه الفرية لا يعون معنى استشهاد الفقهاء بسنن الخلفاء الراشدين دون غيرهم من الخلفاء، الذي ليس إلا امتثالاً لوصية المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم باتباع سنتهم، دون غيرهم من خلفاء الإسلام .
وعلى كل حالٍ فليس القصد هنا تقديم بحث في تفنيد هذه الدعوى الباطلة؛ وإنَّما كان حديثاً حولها كما في العنوان، وفرصة مناسبة لتوضيح بعض معالم تاريخنا الإسلامي الذي تلازمت فيه العقيدة والشريعة طول تلك القرون..
وعلى كلّ حالٍ فقد فنّد هذه الشبهة عدد من العلماء والمفكرين المعاصرين، وبيّنوا سذاجتها وفكَّكوا فكرتها.. وممن فنّد هذه الفرية من المشاهير: الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، وذلك في الباب السادس من كتابه القيم : "الإسلام والعلمانية وجهاً لوجه"؛ والدكتور المستشار طارق البشري في كتابه المفيد : "الوضع القانوني المعاصر بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي"؛ وممن تتبع هذه الفرية وردها بشواهد التاريخ، الشيخ الدكتور علي الصلابي، وذلك في سلسلة مقالات تاريخية لا أدري هل اكتملت أم لم تكتمل بعد، وكانت بعنوان : "تحكيم الشريعة الإسلامية عبر التاريخ الإسلامي" .
وليت المتخصصين في التاريخ الإسلامي، يُظهرون التاريخ القضائي الإسلامي برصد تراتيبه ووثائقه وتطور إجراءاته وآلياته من خلال مشاريع بحثية يشرف عليها خبراء من ذوي الاهتمام بالجانب الحضاري في التاريخ الإسلامي؛ فما يمرّ به الفقيه من ذلك التاريخ عَرَضاً، يشير إلى تفاصيل ودقائق ربما ظن بعض المعاصرين أنَّها من منتج أجنبي عصري، في حين أنها ليست سوى نتف من تاريخ أهل الإسلام ..

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store