الغيب هو كل ما غاب عن الإدراك واحتجب عن الحواس.. وكل ما غاب عن الإدراك واحتجب عن الحواس، لا يمكن التدليل على وجوده مادياً أو حتى عقلياً. وهذا هو السبب في أن الله سبحانه وتعالى لم يطالبنا بالاقتناع بالغيب، بل طالبنا بالإيمان به.. أي بتصديقه.
إن المطالبة بالتصديق بوجود شيء قابل للتدليل على وجوده، أي يمكن إثبات وجوده بالدليل القطعي، ليست منطقية.. إذ ما المعنى من تصديقك بوجود ما يمكن إثبات وجوده بالأدلة القطعية والملزمة لكل من يمتلك حواسا وإدراكا؟!
التصديق أو الإيمان في حالة وجود الدليل، ليست ميزة يستحق الإنسان المكافأة عليها بالجنان. الإيمان الذي وعد الله سبحانه وتعالى من يمتلكونه بالجنة، هو التصديق غير المشروط.. أي الذي لا يحتاج إلى دليل ولا ينتج عن قناعة محسوسة، بقدر ما ينتج عن الانحياز لقيم الحق والخير والعدل والجمال التي يجسدها الدين، وتتوافق معها الفطرة الإنسانية السوية.
عالم الغيب إذن هو عالم مناقض لعالم الشهادة الذي تسيره السنن الإلهية في الآفاق ( الكون ) وفي الأنفس ( الإنسان ).. والإثنان، الآفاق والأنفس، هما المادة الخام التي يتشكل منها الواقع الحياتي الذي لا يمكن اكتشاف حركته وطرق التعاطي معه، إلا بواسطة العقل، أو بمعنى أكثر دقة: المنهج العلمي.
المنهج العلمي لا يحفل بتقديم الإجابات بقدر ما يعمل على طرح علامات الاستفهام بغية الوصول إلى إجابات تساعد الإنسان على تغيير الواقع من حوله. إنه - أي المنهج العلمي - ينطلق من الإقرار بالجهل ومن ثم السعي إلى المعرفة.. وهو لا يهدف للوصول إلى المعرفة الكاملة، لأنه يعترف بحدوده.. لذلك تبقى التفاسير والإجابات التي قد يتوصل إليها المنهج العلمي حول الظواهر المتعلقة بحركة الكون أو الإنسان، غير نهائية في أغلب الأحوال.. إنها تأتي مهما كانت أهميتها، لتسد ثغرة في حائط الجهل الكبير، و لتكون مجرد لبنة بسيطة في بناء لا قبل للإنسان بإتمامه: ((وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)) الإسراء.
يتبع.
المنهج العلمي.. والإقرار بالجهل
تاريخ النشر: 24 ديسمبر 2012 01:35 KSA
الغيب هو كل ما غاب عن الإدراك واحتجب عن الحواس.. وكل ما غاب عن الإدراك واحتجب عن الحواس، لا يمكن التدليل على وجوده مادياً أو حتى عقلياً.
A A


