الاعتقاد السائد لدى عدد غير قليل من الناس بقدرة القوانين على تغيير سلوكيات الشعوب وقناعاتها، هو اعتقاد خاطئ.
القوانين لديها قدرة محدودة على ضبط السلوك، لكنها تفتقر إلى القدرة على تغيير أو تصويب قناعات الناس. وهذه مسألة دقيقة للغاية وخطيرة جدًا، لأنها شبه غائبة أو مغيبة عن أذهان كثير من المشتغلين على مسألة الحقوق.
القوانين السائدة في الدول الغربية والمستمدة من مبادئ حقوق الإنسان مثلًا، هي انعكاس للتطور العظيم الذي وصل إليه الوعي الجمعي لدى المجتمعات الغربية، وليست سببًا في ذلك التطور النوعي كما يعتقد البعض. وهو ما يُؤكِّد على أن القوانين، وخصوصًا التقدمية منها، لا تصنع التغيير، ولكنها تأتي كتتويج للتغيير الذي فرضته تراكمات طويلة من التطور النوعي على صعيد الفكر.
القوانين والشرائع في الدول الديمقراطية، هي مجموعة من الضوابط التوافقية التي تعبر عن القناعات الراسخة داخل الوعي واللا وعي الجمعي، فيما يتعلق بمسألة الحقوق والواجبات. وهذه القناعات يلزمها تراكمات طويلة، لتصبح متجذرة في وعي ولا وعي الأمم المؤمنة بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان.
المسألة إذن هي مسألة تطور فكري ومجتمعي لا يصل إلى مرحلة الذروة إلا بإقرار القوانين التي تعكس طبيعة هذا التطور في المجال الحقوقي. أما سن القوانين التقدمية في مجتمعات متخلفة، فهو ما لا يمكن أن يقود إلى التغيير من الداخل. وهذا بالتحديد هو ما يدفع ببعض المجتمعات التي تنجح في إسقاط نظام استبدادي ما، إلى التفريط في بعض المكتسبات المهمة التي يحدث أن تقرها الأنظمة الاستبدادية - لسبب أو لآخر - عبر ما تشرعه من قوانين تقدمية في بعض مناحي الحياة.
لقد حققت بعض الأنظمة الاستبدادية مكتسبات اجتماعية مهمة فيما يخص حقوق المرأة ومحاربة التمييز على أسس دينية أو مذهبية. ولكن لأن هذه المكتسبات تم إقرارها بصورة فوقية، أي من خلال فرض القوانين التي تصطدم مع القناعات الراسخة في الوعي واللا وعي الجمعيين، فقد تم الانقلاب عليها وإسقاطها بمجرد سقوط الأنظمة التي فرضتها بقوة القانون.
تجديد الخطاب الثقافي هو الذي يؤدي إلى تغيير القانون، وليس العكس.
معضلة القانون والخطاب الثقافي
تاريخ النشر: 03 يناير 2013 00:54 KSA
الاعتقاد السائد لدى عدد غير قليل من الناس بقدرة القوانين على تغيير سلوكيات الشعوب وقناعاتها، هو اعتقاد خاطئ.
A A


