الهجوم على الحداثة - أفضل استخدام عبارة المنهج العلمي نظراً لعدم وجود تعريف موضوعي متفق عليه لمفردة الحداثة - ثم الإقبال بل والتكالب على امتلاك واستهلاك منتجاتها بكل هذا النهم الذي يميز مجتمعاتنا العربية والإسلامية، هو أول خطوة في مسيرة التصالح مع التناقضات التي تصل حد الفصام.
المنهج العلمي، مثله مثل أي منهج فكري أو فلسفي آخر، إما أن نقبل به كله وإما أن نرفضه كله. ليس هناك معنى للتعاطي - كمستهلكين - مع منتجات المنهج العلمي في مجالات التكنولوجيا والاختراعات والابتكارات العلمية، ثم رفض المبادئ الفكرية التي أسست للبيئة العلمية المنتجة لكل ما نتكالب نحن على استيراده واستهلاكه!
المسألة ليست بهذه السهولة التي نتخيلها، وخيارات القبول والرفض هي ترف لا نتحمل نتائجه. إننا مطالبون بالتحلي بالحد الأدنى من الشجاعة الأدبية، والاعتراف بأننا أضعف من أن نختار بين أن نعيش عصرنا أو أن نعود إلى حياتنا البدائية الأولى قبل أن تتغير معطيات هذه الحياة كلياً، بفضل منتجات المنهج العلمي.
إننا نؤمن ضمنيا بالمنهج العلمي الذي يتعامل مع حركة الكون وفق القوانين الثابتة وليس وفق الأفكار المسبقة والفرضيات الغيبية، لأننا لا نتحرج من استهلاك واستيراد منتجاته التي تكفل لنا حياة عصرية. لكننا وفي فعل لا يخلو من انعدام الجرأة والانقسام على الذات الذي يصل حد الفصام، نرفض مبادئ المنهج العلمي الذي كان ولا يزال السبب في القفزة النوعية التي عرفها البشر واستفادوا منها في كل مجالات حياتهم..!
إننا إذ نرفض المنهج العلمي في بعده الفكري ثم ننكب على استهلاك منتجاته بهذا النهم، إنما نتعامل مع الحضارة بوصفها سلعة استهلاكية، وليس بوصفها أسلوبا خاصاً ودقيقاً ومنهجياً، في النظر إلى الحياة وفي التعامل مع معطيات الوجود. وهو ما يجمع بين التناقض والتسطيح وعدم تحري الصدق مع النفس.
إنني لا يمكن أن أتعامل بجدية مع أي شخص يصرح برفضه لمبادئ المنهج العلمي، ثم لا يجد حرجاً في ركوب السيارات الفارهة واستقلال الطائرات النفاثة واستخدام أحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا الاتصالات في مجال الإنترنت أو الهواتف الذكية. هذا تناقض غير مبرر، فالتطبيق جزء من النظرية، بل إنه الابن الشرعي لها.. ومن أراد أن يرفض الأب فالأولى به أن يرفض ما ينتجه هذا الأب من نسل أيضاً، وإلا فإنه سيقع في التناقض والكذب على الذات.
الحضارة ليست سوبرماركت نتنقل بين رفوفه لشراء ما يروقنا فقط. الحضارة منهج متكامل وغير قابل للتجزئة.
هل يمكن تسليع الحضارة؟!
تاريخ النشر: 12 يناير 2013 03:29 KSA
الهجوم على الحداثة - أفضل استخدام عبارة المنهج العلمي نظراً لعدم وجود تعريف موضوعي متفق عليه لمفردة الحداثة - ثم الإقبال بل والتكالب على امتلاك واستهلاك منتجاتها بكل هذا النهم الذي يميز مجتمعاتنا العر
A A


