Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

عن الجحيم العربي

تحدثت بالأمس عن خطورة أي تحرك شعبي يهدف إلى إسقاط نظام طغياني ما، ما دام الشعب يفتقر إلى التراكم الثقافي والحضاري الذي يؤهله لاسقاط الاستبداد وليس المستبد وحده.

A A
تحدثت بالأمس عن خطورة أي تحرك شعبي يهدف إلى إسقاط نظام طغياني ما، ما دام الشعب يفتقر إلى التراكم الثقافي والحضاري الذي يؤهله لاسقاط الاستبداد وليس المستبد وحده.
الآن وبعد مرور أكثر من عامين على إسقاط نظامي بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر، يبدو الوضع أكثر سوءا بمراحل.. والأسوأ هو عدم وجود أية بارقة أمل لتصحيح الأوضاع في المستقبل القريب، أو حتى متوسط المدى.
هذا الاستنتاج لا يعني كما قد يفهم البعض، أنني أسوّق للديكتاتورية أو أهاجم الوضع الحالي في ما يسمى ببلاد الربيع العربي، لحساب الأنظمة المستبدة التي تم إسقاطها نتيجة للانتفاضات الشعبية. من هذه الناحية فإن موقفي من الأساليب القمعية والطابع البوليسي الذي كانت تدار تلك الدول - وما تزال -بوحي منه، لم يتغير. كل ما في الأمر أنني لم أعد أؤمن بأن الانتفاضات أو الثورات الشعبية يمكن أن تصنع تغييراً حقيقياً في ظل هذا الواقع الذي يسيطر عليه انخفاض مستوى الوعي، وعدم توفر التراكمات التاريخية والحضارية اللازمة لجعل التغيير نحو الأفضل، نتيجة طبيعية لأي تحرك شعبي.
إنني لا أشكك في دور الأنظمة التي تم إسقاطها عبر الانتفاضات الشعبية، في تجهيل شعوبها، وفي تبديد المكتسبات التي حققتها تلك الشعوب، وفي تجريف أرضية الوعي الصلبة التي امتلكتها بفضل تجربتها في مقاومة المستعمر التي ارتكزت في جزء منها على التفاعل الحضاري معه. لكن مسؤولية تلك الأنظمة عن إشاعة الجهل ومحاربة الوعي شيء، وأساليب المقاومة شيء مختلف تماما. ولقد أثبتت التجربة على مدار عامين كاملين، رسوب الشعوب في اختبار الوعي، وعدم قدرة النخبة على إفراز القيادات والرموز التي تمتلك مشاريع بديلة وواضحة المعالم وتحظى بالحد الأدنى من الإجماع الشعبي.
إن الثورات لا تنجح في ظل افتقار عامل الإجماع الشعبي. وفي الحالة العربية فإن الشعوب المعنية أجمعت فقط على إسقاط الأنظمة التي تحكمها، في حين أنها عجزت عن الوصول إلى الحد الأدنى من التوافق ولا أقول الإجماع، فيما يخص هوية الدولة وطبيعة النظام البديل.
لقد تحولت بوادر الربيع إلى جحيم. هذا هو الواقع.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store