كيف يستقيم لشخص عاقل ويتمتع بالأهلية والمسؤولية، أن يرفض العصر الذي يعيش فيه، ويدعو بدلاً من ذلك، إلى العودة إلى التاريخ الغابر ليصنع ظروفاً متسقة مع ذلك التاريخ، ومفصلة على قياسه؟!
عنصر الزمن هو أحد أهم الشروط المرتبطة بوجود الإنسان والخارجة عن إرادته في نفس الوقت.. وهذا يعني ضرورة خضوع الإنسان لمقتضيات الزمن الذي يعيشه، لأنه لا يملك في الأصل، ترف الاختيار بين قبوله أو رفضه. وهذه القضية سبق وأن تناولها الكاتب الإسباني سرفانتس عبر روايته الخالدة (( دون كيخوت )) كما سبق للكاتب والأديب العربي المصري توفيق الحكيم، أن عالجها في مسرحيته المتميزة (( أهل الكهف )).
الصراع مع الزمن صراع عبثي لا بد وأن ينتهي بموت البطل حسب قواعد وأعراف التراجيديا. وما ينطبق على الأفراد ينطبق أيضا على المجتمعات والشعوب والأمم.. فمتى ننتبه لخطورة الدعاوى التي تحض على الاشتباك مع عنصر الزمن أو بلفظ أكثر تحديداً، الحاضر، لحساب التاريخ الذي سيظل في النهاية أرشيفاً يرقد في بطون الكتب والمجلدات العتيقة؟!
إن الوفاء للهوية شيء، ورفض مقتضيات الحاضر بحجة صيانة الهوية وتحصينها ضد محاولات المصادرة أو الاستتباع، شيء آخر. والخلط بين الأمرين، الوفاء للهوية ورفض الحاضر، سيؤدي إلى أن تفقد الأمة القدرة على الإبداع والتفاعل الحضاري مع الآخرين، وتتحول إلى عالة تقتات على فتات موائد الأمم المتقدمة. وهو بالضبط ما يحدث لنا.
إن محاربة الحاضر ومقاومة مقتضيات الزمن بحجة التصدي لوهم التغريب، لم تنجح في أن ترشّد من استهلاكنا لمنتجات الحضارة الحديثة. وهذا هو المعيار الحقيقي لمدى نجاح أو فشل خيار رفض الحاضر الذي يتم تسويقه تحت لافتات وشعارات بعيدة كل البعد عن الواقع، كذلك الشعار الذي يتم رفعه ضد ما يسمى بالتغريب.
لقد تحولنا بفضل وفائنا للشعارات المرفوعة ضد ما يسمى بالتغريب، إلى فقدان القدرة على الفعل والمبادرة، بعد أن تحولنا إلى مجرد مستهلكين لمنتجات المناهج والبنى الفكرية والعلمية التي نزعم أننا نحاربها بكل إخلاص. والكارثة أننا لم نكتف بالاستهلاك بالقدر الذي تقدم عليه الشعوب المنتجة نفسها، لكننا تخطينا المعدل الطبيعي للاستهلاك لتلك المجموعات بشكل يدعو إلى التعجب من هذا التناقض بين السلوك العملي والشعارات المرفوعة في حياتنا العقلية.
إنها حالة فصام بامتياز.
حالة فصام
تاريخ النشر: 12 فبراير 2013 23:53 KSA
كيف يستقيم لشخص عاقل ويتمتع بالأهلية والمسؤولية، أن يرفض العصر الذي يعيش فيه، ويدعو بدلاً من ذلك، إلى العودة إلى التاريخ الغابر ليصنع ظروفاً متسقة مع ذلك التاريخ، ومفصلة على قياسه؟!
A A


