Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

بين التغريب والاستعمار

تحدثت بالأمس عن الحرب التي يشنّها البعض ضد ما يُسمَّى بالتغريب، والتي تأثر العقل الجمعي بمناخها لدرجة تنذر بوقوع المزيد من العواقب السيئة.

A A
تحدثت بالأمس عن الحرب التي يشنّها البعض ضد ما يُسمَّى بالتغريب، والتي تأثر العقل الجمعي بمناخها لدرجة تنذر بوقوع المزيد من العواقب السيئة.
الحرب ضد التغريب هي في حقيقتها دعوة لمقاطعة العصر، والإنسان لا يستطيع أن يخوض حرباً كهذه لأنه ابن ظروفه التي تتشكَّل قبل أي شيء، من الزمان والمكان.
التعبئة ضد ما يُسمَّى بخطر التغريب، هي دعوة لمقاومة الحداثة، وما نتج عنها من طفرة علمية وتكنولوجية وصناعية أدت إلى حدوث انقلاب خطير في حياة البشر. وهو ما يصطدم مع الواقع الذي يقول بأن معدلات الاستهلاك لدينا تفوق معظم معدلات الاستهلاك لدى معظم أمم العالم الأخرى.
الحرب ضد ما يُسمَّى بالتغريب كانت ولا تزال شعاراً لا مجال لتطبيقه على أرض الواقع. على عكس الحرب ضد الاستعمار التي قادها المهاتما غاندي في الهند، والتي ارتكزت على مبدأ العصيان المدني القائم على التقشف والاستغناء بالبديل المحلي مهما كان متواضعا، ومهما كانت مساحة ما يلبيه من احتياجات الشعب، ضيقة.
لقد نجح غاندي ومعه الشعب الهندي في حربهم الاقتصادية ضد الاستعمار البريطاني، ولقد تمكنوا من تحويل الهند من درة تغدق على التاج البريطاني الذهب والجواهر، إلى عبء عليه. والسبب هو إغلاق الهند كسوق أمام المنتجات البريطانية، وامتناع الهنود عن المساهمة بالمجهود في مشاريع الاستعمار الاقتصادية التي كانت مقامة على أراضيهم.
لقد نجح غاندي ونجحت معه الأمة الهندية لأنهم كانوا يخوضون معركة قوامها الوعي وسلاحها الإرادة، وليس الجهل والنفاق والكذب وإنكار الواقع والكذب على الذات. وهل هناك كذب على الذات أكبر من الدعوة إلى محاربة التغريب، في الوقت الذي يتكالب فيه جمهور هذه الشعارات ومطلقوها على حد سواء، على المنتجات الاستهلاكية التي يغرق بها الغرب أسواقنا وأسواق العالم؟!
إن تحديد الأهداف جزء لا يتجزأ من عناصر أية معركة، وإذا كانت الشعارات المنفصلة عن الحياة والمكرّسة لتغييب الوعي والاستبصار بالواقع، هي التي تحدد أهداف المعركة، فإن من الطبيعي أن تنتهي المعركة بهزيمة ساحقة للطرف الذي يتصور أنه يقاتل جيشا كاملا، في حين أنه لا يقاتل في الواقع سوى طواحين الهواء، كما كان الحال مع دون كيخوت بطل رواية سرفانتس الخالدة.
التغريب خطر وهمي.. الاستعمار هو الخطر الحقيقي.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store