وقفت كثيرًا وما زلت أقف على كلمات ميخائيل نعيمة وقرأت سيرة حياته في كتابه الرائع سبعون، أعدت القراءة مرات فاكتشفت ما لم اكتشفه في بداية أمري، عرفت عن رحلاته من بسكنتا بلبنان إلى الناصرة وروسيا ومن ثم إلى أمريكا، وهمت فيما خطه قلم ميخائيل من كلمات وطفت معه ومع رفاق دربه في نيويورك في الرابطة القلمية وأعضائها مثل جبران خليل جبران ونسيب عريضة وإيليا أبو ماضي وعبدالمسيح حداد وغيرهم، فالكاتب يبجل الطبيعة والبساطة وينفر من المدينة وصخبها وبريقها الزائف المادي الذي أرهق من أراد أن يترك طبيعته ودياره ويرحل عنها من أجل المال ووهم المجد الذي وراءه طأطأة الرؤوس في الغربة، فيقول عن من هاجر إلى أمريكا وترك وطنه: «فأحسنوا طرق الأبواب، وطأطأة الرؤوس، وأحسنوا الصبر على الإهانة والجلد على الجوع»(1)، كلماته لها أثر كبير على قارئها لأنها نابعة من منبع صدق، وما كلمات ميخائيل إلا صادقة خالية من التكلف وهذا لا ينبع إلا من نفس مرهفة أشرقت بصفاء الروح وتعلمت من دروس الغربة، فماذا يخطر ببال أي إنسان عندما يسمع باسم هذا الكاتب، وما هو وقع أثر كلماته عليك عندما تتصفح بعض مؤلفاته؟! أسئلة ليس من سهولة الأمر الاجابة عنها بكلمات، لأن الكلمات تقف خجولة أمام ميخائيل، وما ميخائيل إلا أحد فرسان الأدب في وطننا وما مؤلفاته إلا نبراس يضيء للماضين إلى طريق الأدب، وهذه المؤلفات حصيلة سنوات من الغربة والتجربة الإنسانية التي قضاها في روسيا وأمريكا ووطنه، فامتزجت ثقافته بثقافة وأدب تولستوي ودوستويفسكي وبوشكين، وقد قرأ ميخائيل بنفس اللغة التي يكتب بها كبار أدباء الروس وقد أعجب بهم ونال جزءا مما نالوه من الأدب وكبر ميخائيل في زمن تصغر فيه مطالب النفوس، عشرون عامًا قضاها في المهجر من كفاح إلى كفاح، فمن كفاح الفكر والفلسفة والأدب في نيويورك إلى الكفاح في ميادين الحرب العالمية الأول صفًا بصف الجيش الأمريكي وهو لم يحمل الجنسية الأمريكية وقتئذ، ولكن فلسفته قادته إلى إيمانه والدفاع عن البلد الذي عاش فيه واجب إنساني، وهذه فلسفة الأدباء التي تصارع أرواحهم في ميادين عدة إلى أن تصل إلى ما تؤمن به وتصبو إليه.
فميخائيل نعيمة ليس ابنًا للمدينة بل وهو ابن القرية التي عاش فيها بالقرب من جبل صنين، وكم عافت نفسه منكر المدينة وغطرسة أهلها وغطرستها، فالمدينة زائلة والقرية باقية بجمالها وطبيعتها على مر الأزمنة وهذه فلسفة ميخائيل، فكل الانتصارات والشهرة التي حققها في أمريكا جعلته يعود إلى أرضه ويحرثها ويطوف بجبالها وينعم ببساطتها ولهذه فلسفة أخرى لا علم لي بها إلا عندما سألت نفسي قبل سنوات لماذا عاد ميخائيل إلى وطنه بعد كل ما حققه في الغربة وبعد أن احتضنته أمريكا، ولم يقع الجواب بين يدي وانتظرت إلى أن وجدته في احدى مؤلفاته، وخاصة عندما قرأت مقاله (هجرت بلادي) (2) ويقول فيها: «ولماذا عدت إلى بلادي، والأرض كلها بلاد لي؟ عدت لأن بي ترابًا من تراب لبنان، فعظامي من عظام هذه الجبال ودمي من دمائها ونفسي من أنفاسها والتراب يحن أبدًا إلى ترابه، ففي التراب أمومة وبنوة مثلها في الطير والحيوان والإنسان».
فعودة ميخائيل نعيمة إلى وطنه كعودة الروح إلى جسدها فكيف لروح أن تحلق في عالم ووطنها وجسدها بعيد عنها، وهذه العودة إلى الوطن لها فلسفة نادرة لا يملكها إلا من يملك فلسفة كفلسفة ميخائيل نعيمة، فلسفة تجعل من الركود حركة ومن الأخذ عطاء ومن الصمت صوتا، وكلمات تبقى على مدى طويل جدًا وهو ليس ككل الأصوات إنه صوت الأدب الذي عاد به ميخائيل إلى لبنان والوطن العربي وعاش صوته بعد مماته لأن أصوات الأدباء لا تموت.
هوامش:
1- من مقال (هجرت بلادي) ميخائيل نعيمة المجموعة الكاملة، المجلد السابع
2- نفس المصدر.
[email protected]
عودة ميخائيل نعيمة!!
تاريخ النشر: 20 فبراير 2013 03:52 KSA
وقفت كثيرًا وما زلت أقف على كلمات ميخائيل نعيمة وقرأت سيرة حياته في كتابه الرائع سبعون، أعدت القراءة مرات فاكتشفت ما لم اكتشفه في بداية أمري، عرفت عن رحلاته من بسكنتا بلبنان إلى الناصرة وروسيا ومن
A A


