Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

أنا وأمي.. استمطار السعادة من قمة الوجع

أنا وأمي وحدنا بعد أن غيّب الموت أبي.. كانت الكلمات تخرج منها مختنقة تجرّ خلفها ظل أيام ثقال، وتقف العبرة في عينيها حيرى على مفترق طرق الفراق والألم.

A A
أنا وأمي وحدنا بعد أن غيّب الموت أبي.. كانت الكلمات تخرج منها مختنقة تجرّ خلفها ظل أيام ثقال، وتقف العبرة في عينيها حيرى على مفترق طرق الفراق والألم.
أرهق الحزن قلب الطفلة الصغير، ونحت الدمع على وجنتيها مجرى لخّص الحاضر والمستقبل.. فشربت كأس الحاجة والحرمان؛ والذّل يومًا إثر يوم.
كانت هي وأمها تقبعان تحت حصار من الحزن والصبر، نسج حول طريقهما أرتال من مرار السنين وكدرها، فاق التحمل وغلب البقية الباقية من ذاك التحمل. بعد أن غيّب الموت والدها.. كسرها ظلم القريب، وهزّها تخاذله، وكان الأشد إيلامًا لها هو إدراكها الفرق بينها وبين قريباتها وصويحباتها؛ اللاتي كن ينعمن بحنان الأب، فتولَّد في داخلها شعور بالنقص، جعلها أكثر حساسية تجاه أي موقف تمر به، حتى وإن كان بسيطًا.. فأغرقت نفسها بالعزلة والوحدة.
كان النظر إلى عيني والدتها يمدها بالقوة، ويشعرها بالأمان نوعًا ما، وكانت كي توهم نفسها بمشاعر السعادة؛ تصنع لنفسها عالمًا من خيال لا يعيش على أرضه، ويدرج فوق أرصفته إلا هي وحدها.. تقطف الفرح حلمًا وترسم دربها حلمًا.. وتتكئ على أبوابه، تبكي حالها وحال أمها في صمت، وتضحك في صمت.. إلا أن الخوف من فقد والدتها هي الأخرى، بات هاجسها وهمها، الذي تنام وتصحو عليه.
ترعرعت تلك الطفلة ونمت معها مشاعر مختلطة، شكّلت شخصيتها وسلوكها، الذي كان يتدفق عطاءً وعطفًا وحنانًا.. وكان محل تساؤل وعلامات استفهام كثيرة؛ مِن كل مَن عايش ظروف تلك الأرملة وهذه اليتيمة.
كيف تَخَلَصَتْ من ذاك الحصار؟
بعد أن سئمت تلك الروح انكسارات الأماني، وبعد أن رسا الأنين بها على جراح كست الفجر ثوب السواد، فلا ترى منه إلا سكونًا مزّق زمهريره أمانها، ترقب ووجل اليوم وغدًا ساعةً بساعة.. وفي غفلة من ذاك الزمن، كبرت هذه الطفلة قبل أوانها.. ووعت معنى القهر يتمًا.. فاستمطرت السعادة من قمة الوجع الذي سكن قلبها.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store