السائل: (أبو طارق زياد خياط) ما لنا نقولُ في وصف المخلوق الذي بلغ من العلم شأوًا قصيًّا: فلانٌ علّامةٌ، ونقول في خالقه الذي أحاط بكل شيء علمًا: علّام؟ ومعلومٌ أنّ لفظة (العلّامة) أصلها (العلّام)، وزيدت إليها الهاء للمبالغة؛ فصارت لفظة (العلّامة) أعظم دلالة على اتّساع العلم من (العلّام)، فكيف يكون ما هو للمخلوق أوسع ممّا هو للخالق؟
الفتوى 86: هذا سؤال دقيق، يلمّح إلى فطنة السّائل، وأسأل الله أن يهديني إلى سبيل الجواب، على ما هو موافق للصّواب.
إن كلًّا من لفظي "علاّم" و"علاّمة" يدلاّن على المبالغة، والأصل في ذلك علاَّم، على وزن "فعّال"، وبين علماء اللّغة اختلاف في سبب دلالته على المبالغة، فمنهم مَن يقول: لأنه كُرَّر فعله، فمن تكرر منه العلم كثيرًا قيل له: علاَّم، ومنهم مَن يقول: لأنه صار له كالحرفة، كما يُقال لمحترف النجارة: نجّار، وللحدادة: حدّاد. والظاهر: أن السببين متلازمان، فالحرفة لا تكون إلاّ عن تكرار، وأضرب لذلك مثلاً بحديث الحث على الصدق المخرَّج في الصحيح، وفيه: "وما يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب حتى يكتب عند الله كذّابًا" أي: لم يزل يكرر الكذب حتى صار صفة له وحرفة.
وهذه المبالغة التي نطلقها في هذا الوزن وغيره من أوزان المبالغة هي غير المبالغة المعروفة في البلاغة التي يكون فيها شيء من التَّزيّد.
ولما كثر من يوصف بالعلم، وأطلق عليه ذلك الوصف أراد العرب أن يميّزوا من بلغ النهاية في العلم فزادوا هاء التأنيث فقالوا: علاّمة، كما قالوا: فهّامة، ونسَّابة، فاجتمع فيه مبالغتان، صيغة "فعّال" والهاء التي لحقته للتأنيث، وكالحافظة، والرواية، والنابغة، هاء التأنيث فيه للمبالغة، ولكن يشتمل على مبالغة واحدة "وعلاّمة " فيه مبالغتان، وعلى هذا بني سؤالك عن إطلاق "علاّم" على الله دون "علاّمة"، وهو أقوى منه دلالة.
وقد بحثت فوجدت أبا الهلال العسكري يقول في كتابه الفروق اللّغوية: "الْفرق بَين علاّم وعلاّمة أَن الصّفة بعلاّم صفة مُبَالغَة، وَكَذَلِكَ كل مَا كَانَ على فعّال، وعلاَّمة وَإِن كان للْمُبَالَغَة فَإِنَّ مَعْنَاهُ وَمعنى دُخُول الْهَاء فِيهِ أَنه يقوم مقَام جمَاعَة عُلَمَاء، فَدخلت الْهَاء فِيهِ لتأنيث الْجَمَاعَة الَّتِي هِيَ فِي مَعْنَاهُ، وَلِهَذَا يُقَال الله علاّم وَلَا يُقَال لَهُ عَلامَة، كَمَا يُقَال إِنَّه يقوم مقَام جمَاعَة عُلَمَاء، فَأَما قَول مَن قَالَ إِن الْهَاء دخلت فِي ذَلِك على معنى الداهية فَإِن ابْن درستوية ردَّه وَاحْتج فِيهِ بِأَن الداهية لم تُوضَع للمدح خَاصَّة، وَلَكِن يُقَال فِي الذَّم والمدح، وَفِي الْمَكْرُوه والمحبوب. قَالَ وَفِي الْقُرْآن (والساعة أدهى وَأمر)، وَقَالَ الشَّاعِر من الطَّوِيل (لكل أخي عَيْش وَإِن طَال عمره ... دُوَيْهَّيةٌ تصفرّ مِنْهَا الأنامل)
يَعْنِي الْمَوْت، وَلَو كَانَت الداهية صفة مدح خَاصَّة لَكَانَ مَا قَالَه مُسْتَقِيمًا، وَكَذَلِكَ قَوْله لحانة شبهوه بالبهيمة غلط، لأن الْبَهِيمَة لَا تلحن، وَإِنَّما يلحن مَن يتَكَلَّم، والداهية اسْم من أَسمَاء الفاعلين الْجَارِيَة على الْفِعْل، يُقَال: دهى فَهُوَ داهٍ، وللأنثى داهية، ثمَّ يلْحقهَا التَّأْنِيث على مَا يُرَاد بِهِ للْمُبَالَغَة فيستوي فِيهِ الذّكر وَالْأُنْثَى مثل الرِّوَايَة، وَيجوز أَن يُقَال: إِن الرجل سمّي داهية كَأَنَّهُ يقوم مقَام جمَاعَة دَهاة، وَرِوَايَة كَأَنَّهُ يقوم مقام جمَاعَة رُوَاة على مَا ذكر قبل وَهُوَ قَول الْمبرد". وللجواب تتمة.
[email protected]
علّام وعلّامة..!! (1/2)
تاريخ النشر: 15 مارس 2013 02:38 KSA
السائل: (أبو طارق زياد خياط) ما لنا نقولُ في وصف المخلوق الذي بلغ من العلم شأوًا قصيًّا: فلانٌ علّامةٌ، ونقول في خالقه الذي أحاط بكل شيء علمًا: علّام؟
A A


