من بين الموسوعات التوثيقية الكثيرة التي تناولت مدينة جدة تاريخًا وحاضرًا، تطل الموسوعة التي أعدها الباحث الفنان عايض علي التركي، بميزات تتفوّق بها على مثيلاتها من الموسوعات الأخرى. فـ»موسوعة جدة.. بوابة الحرمين الشريفين» تكتسب ميزتها من جملة عناصر، أولها أنها تعقبت تاريخ مدينة جدة بتدرج زمني يبرز أهم الملامح للمدينة في سياق تطورها التاريخي، لتبرز الصورة في هذا الموضوع معمقة الرؤية بأكثر من الكلمات، وهذه هي الميزة الأخرى للموسوعة حيث تركت لعين قارئها فرصة التجوّل في تاريخ جدة من خلال الصور، مستغنيًا بهذه الصورة عن الكلمات الكثيرة، والشرح المستفيض، ويضاف إلى هاتين الميزتين مزية ثالثة تتجلّى في أن التركي أرفق ترجمة باللغة الإنجليزية لكل ما جاء في موسوعته قام بها المترجم محمد إبراهيم محمد.

الموسوعة تقع في 664 صفحة من القطع الكبير، بإخراج مميز على يد المخرج الفني علي فضل، حيث تستهل الموسوعة بتقديم خطّه قلم الدكتور عبدالمحسن فراج القحطاني جاء فيها قوله: «هذا السفر الضخم جمع الصورة والمادة العلمية والترتيب المنطقي التصاعدي زمانًا ومكانًا، وأعرف يقينًا أن هذا السفر لن يأتي على كل مفاصل مدينة جدة، المكان والإنسان، بيد أنه يؤسس لنواة عليها أن تكبر وتنمو..». ويؤكد القحطاني في المقدمة كذلك أن هذا السفر سيصبح وثيقة تاريخية ومدونة وثائقية لا يستغني عنها الباحثون.

وفي مقدمة موسوعته، يشير التركي إلى أنه لم يستوف كل تاريخ جدة فيها، ولكنها يجعلها نواة يأمل أن تكبر وتنمو على أيدي الآخرين في المستقبل. ماضيًا من ذلك إلى حديث عن موقع ومناخ جدة، كما يقدم «إطلالة على تاريخ جدة»، موردًا أقوال المؤرخين المتأرجحة حول تاريخها الذي يعود إلى حقبة ما قبل الإسلام، وما يقارب الـ 3000 عام في رواية وفي روايات أخرى 2500 عام، وسكانها الأوائل من بني قضاعة، وما دار من أحداث تاريخية في هذه المدينة، ومنتقلاً إلى «جدة في العهد السعودي الزاهر»، ومشيرًا إلى أن جدة وجدت الاهتمام والعناية من قبل كافة العهود السعودية الزاهرة. كما لم يغفل المؤلف تقديم لمحات عن الحياة الاجتماعية والنشاط السكاني في عروس البحر الأحمر، لافتًا إلى أن سكان جدة يتشابهون مع سكان مكة المكرمة والمدينة المنورة والطائف حيث يبدون مزيجًا متجانسًا من أجناس مختلفة. ويعرج المؤلف للحديث عن العلم والعلماء في مدينة جدة موردًا أسماء عدد من العلماء الذي احتضنتهم وعاشوا في مدينة جدة، ومن أبرزهم الشيخ عبدالملك بن إبراهيم المكي أحد رواة الحديث، منفلتًا من ذلك إلى حديث عن أندية المجتمع الجداوي العصرية مثل نادي السمرة، وكازينو المنتزه، ومنتزه حدائق كيلو 10. ومن بين ما احتوته الموسوعة كذلك حديث موثّق بالصور عن الحِرف والمهن وأشهر ملاك السفن، وأشهر أهل البحر، ووكلاء الحجاج، وأشهر البنائين، وأشهر شيوخ المهن، وأشهر العطارين، مع إشارة لصور من التكافل الاجتماعي الذي كان سائدًا في مدينة جدة، وصورة للزي التقليدي في المدينة، وعادات العرس فيها، وما يقوم به الأهالي من مظاهر الفرح بالعيد أيضًا.

وأيضًا يرصد المؤلف أشهر معالم جدة، ومقابرها القديمة، وأحياء جدة القديمة وما بقي منها، تاركًا للكاميرا حرية التجوّل، وليختم هذه الموسوعة التوثيقية بحديث عن روّاد عروس البحر الأحمر في مجال المال والأعمال، والثقافة والأدب، والصحافة والإعلام، والفوتوغرافيين والتشكيليين، كما لم يغفل التركي عن بيان دور الرائدات من بنات وسيدات هذه المدينة (جدة) شملتهن الموسوعة أيضًا.