Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

الحرب أم الشرور

لا يوجد ما هو أسوأ من الشر، سوى تبرير الشر.

A A
لا يوجد ما هو أسوأ من الشر، سوى تبرير الشر.
تبرير الشر يعني محاولة إيجاد الأعذار لمرتكبي الأفعال الشريرة. إنه يعني محاولة شرعنة الشر.. أي تحويله إلى مرجعية أخلاقية تكون بمثابة عنصر الإلهام الذي تتم عملية صياغة القانون العام، بوحي منه. وهذا هو مكمن الخطورة.
المعايير الأخلاقية لا تقبل القسمة على اثنين، ولا تحتمل الخضوع لوجهات نظر أو تقييم الأطراف المتورطة -سواءً عن طريق المشاركة أو عن طريق التحزب- في أي صراع.
المعايير الأخلاقية هي الأساس للحكم على أي سلوك بشري.. وإذا كان القتل المتبادل بين المتحاربين جزءًا من منطق الحرب نفسه، فإن عمليات الانتقام العشوائية، وقتل الأبرياء، وانتهاك حقوق الإنسان حتى مع المقاتل الأسير، هي أعمال لا يصح نسبتها إلى أخلاقيات الحرب المتعارف عليها، ولا إلى القوانين الدولية التي تم إقرارها بهدف تحجيم الشرور الناتجة عن نشوب أي صراع مسلح.
التاريخ يقول لنا: أن ضبط المقاتلين، وإلزامهم بالخضوع للمعايير الأخلاقية أثناء ممارسة القتال، هو أمر صعب للغاية، هذا أن لم يكن مستحيلا. الحرب في حد ذاتها عمل خارج عن منطق القيم الأخلاقية، إلا في حالة واحدة هي: الدفاع عن الأرض في مواجهة الغزاة.
في الحرب يصبح القتل هو الوسيلة الأولى لتحقيق الغايات، وعندها يمكن للإنسان أن يتحول إلى مجرد أداة صماء مهمتها الرئيسة تنحصر في ممارسة القتل على أوسع نطاق. وعندما يتحول الإنسان إلى قاتل محترف أو إلى مجرد أداة للقتل، فإن رغبته وشهوته غير المحدودتين في ممارسة قتل البشر، يمكن أن تتطور لتصل إلى حد الرغبة والشهوة في ممارسة قتل القيم الأخلاقية نفسها. وهذا بكل تأكيد، هو أسوأ وأبشع أنواع القتل.
السعار الذي يصاب به المقاتل أحيانا، يجعله يتخطى في تجاوزاته وانتهاكاته كل الخطوط الحمراء، بما في ذلك الحفاظ على حرمة الموتى من المقاتلين المنتمين للفريق الآخر. بل أن الأمر قد يصل إلى ما هو أبشع، حيث لا يتورَّع المقاتل المحترف، أو أداة القتل البشرية، عن التطاول على حرمة الموتى الذين قضوا منذ عشرات القرون، فيلجأ إلى نبش القبور -كما شاهدنا ذلك بأم العين، مع قبر الصحابي الجليل حجر بن عدي في سوريا-!
ليس هناك جرائم يمكن أن تعادل ما يحدث في الحرب بين الأشقاء، فبمجرد أن تقوم بقتل شقيقك أيًا كان السبب، يمكن أن تتورّط في فعل كل شيء وأي شيء، حتى ولو كان ممارسة التكبير لضربات العدو الإسرائيلي.
الحرب هي أم الشرور.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store