Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

ديمقراطية الغرب.. الانضمام إلى المقدس

عندما تنضم المصطلحات المعرفية إلى خانة المُقدَّس أو المُدنَّس، فهذا يعني أنها فقدت صفتها المعرفية، لتكتسب صفة وسلطة أخلاقيتين. وشتان ما بين عالم العلم أو المعرفة، وبين عالم الأخلاقيات.

A A
عندما تنضم المصطلحات المعرفية إلى خانة المُقدَّس أو المُدنَّس، فهذا يعني أنها فقدت صفتها المعرفية، لتكتسب صفة وسلطة أخلاقيتين. وشتان ما بين عالم العلم أو المعرفة، وبين عالم الأخلاقيات.
الغرب الرأسمالي صاحب النموذج القائم على ما هو معروف بالليبرالية الرأسمالية، هو الذي ابتكر خطاباً سياسياً وثقافياً يُقدِّم رؤيته أو مفهومه للديمقراطية، باعتبارها حقاً مطلقاً. وهو ما أخرج مصطلح الديمقراطية من سياقاته المعرفية، وجرّده من أية صفة علمية، ليلحقه بعالم الأخلاقيات، حيث لا مكان سوى للإطلاقيات واليقينيات.
هذا الخلط بين الديمقراطية كنظرية معرفية قدمت رؤية خاصة لحل أزمة الحكم، وبين قيمة العدالة التي حاولت الديمقراطية أن تستلهمها، هو ما حوّل الأخيرة من نظرية معرفية إلى مرجعية أخلاقية. وهنا تكمن الخطورة على الصعيدين المعرفي والأخلاقي معاً. فالديمقراطية تحوّلت إلى أداة للإقصاء بمجرد أن أصبحت مرجعية أخلاقية. وهو ما سهَّل على الغرب وخصوصاً أمريكا، تسويق تعبيرات ومصطلحات لا تمتلك أية دلالات علمية، كتعبير (العالم الحر) الذي كان يستخدمه الإعلام الغربي في إشارة إلى مجموعة الدول الغربية إبان الحرب الباردة.
استخدام الديمقراطية كمرجعية أخلاقية لم يحول الديمقراطية إلى أيديولوجيا مغلقة تدعي الكمال، وتتحدث بنفس أدوات المنطق اليقيني الذي كان سائداً خلال العصور الوسطى فقط.. ولكنه أدى أيضاً إلى اختزال الديمقراطية في النموذج الرأسمالي السائد في الغرب. وهذه مغالطة قد تصل إلى حد الدجل المعرفي، فالنموذج الاشتراكي للديمقراطية أو الليبرالية السائد في الدول الاسكندنافية، هو نموذج آخر يختلف من حيث الدوافع والرؤى والمفاهيم، عن النموذج السائد في الغرب الرأسمالي. ولو نحينا الحديث عن الفروق في الدوافع والرؤى بين النموذجين المذكورين آنفا - الليبرالية الرأسمالية والليبرالية الاشتراكية - وحاولنا عقد مقارنة على صعيد الإنجازات فيما بينهما، فإننا سنجد أن ما حققه النموذج الاشتراكي كان أقرب وبكثير، إلى استلهام قيم العدالة، من النموذج الرأسمالي الذي ما زال غير قادر على إيجاد حلول عملية وطويلة الأمد، لأزمات الصراع الطبقي والفقر والبطالة.
المشكلة أن ماكينة الدعاية الغربية، نجحت في تسطيح وعي كثير من الشعوب فيما يخص مصطلح الديمقراطية. وهو ما جعلنا نتابع خطاباً ليبرالياً يتسم بالكساح في منطقة الخليج العربي على وجه التحديد، حيث تُحال كل تجربة أو حقبة بعد عزلها من سياقاتها التاريخية، لمعايير الديمقراطية التي وضعها الغرب في إطار المُقدَّس. وهذا هو أحد انعكاسات اختلال المنهج الذي يُقدِّم أطراً وأنماطاً جاهزة للخير والشر.. أو بمعنى آخر: المُقدَّس في مواجهة المُدنَّس.
النموذج الديمقراطي الذي يدعي الكمال، هو نموذج آخر للفاشية.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store